أحمد عرابي

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

استهدفت القوى الأجنبية المعادية لمصر منذ عقود ان تصنع ذاكرة جمعية بديلة للمصريين، تحتفى بالخونة والمرتزقة وفى نفس الوقت تسقط وشاح الوطنية عن ابطال هذا الوطن، وذلك لإبادة ثقافة وذاكرة المصريين وصناعة تاريخ بديل لا يحترم مصر وابطالها الا تاريخها وارثها.

وكثف المغرضون هجومهم منذ سنوات على سيرة الزعيم الراحل احمد عرابي، ونفى تفاصيل من ثورة سبتمبر 1881 والادعاء بأن عرابي لم يواجه الخديو محمد توفيق، وان اغلب تلك النصوص التاريخية هي من تأليف عرابي نفسه في مذكراته.

وسبق لمجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 ان اتخذ ذكري يوم قيام ثورة سبتمبر 1881 ليصبح عيداً للفلاح المصري في إطار الإجراءات التي اتخذتها ثورة يوليو لرد الاعتبار للفلاح المصري، رغم ان ثورة 1881 لم تكن ثورة جيش او ثورة فئة بعينها او ثورة فئوية بل كانت ثورة كافة فئات الشعب المصري.

ولقد حاولت النخب الثقافية ومدعي التنوير عبر أكثر من مئة عام الطعن في سيرة الثورة وقائدها، وللمفارقة فأن الغرض من تشويه ثورة سبتمبر 1881 تغير عبر العصور ولكن ظل أسلوب التشوه ونصوصه وسرديته واحدة، وللمفارقة فأن وثائق الاحتلال البريطاني والصحف الامريكية والغربية المهتمة بشؤون الشرق الأوسط وقتذاك قد ردت على ادعاءات المثقفين في مصر قبل أي طرف مصري آخر.

حملة تشويه الثورة وعرابي فى العصر الملكي

ولقد بدأت مسيرة تشويه الثورة في زمن الخديو عباس حلمي الثاني، الذي قرب المثقفين والتنويريين الى حاشيته، وإذا بالرعيل الذي يوصف بالتنويرين والجيل الذهبي للتنوير المصري ينافق الخديو، ويقرر الطعن في الثورة ووصفها بالتمرد على والد عباس حلمي وتشويه مسيرة جد عباس حلمي الا وهو الخديو إسماعيل.

ولقد استمر جيل التنوير الذهبي في تملق القصر وحكامه عبر تشويه احمد عرابي، في سنوات الملك فؤاد والملك فاروق، ووصم احمد عرابي بانه المتسبب في الاحتلال البريطاني لمصر، وتسمية ثورة سبتمبر بانها الثورة العرابية او هوجة عرابي، أي محاولة نسبها الى شخص واحد رغم ان الثورة كانت شعبية وليست حركة جيش او بعض الضباط.

وحينما صعد نجم الزعيم مصطفى كامل، قام مثقفو الحزب الوطني بالمشاركة في حملة الإساءة للزعيم عرابي، وقام مثقفو حزب الوفد لاحقاً بالأمر ذاته من اجل ترسيخ زعامة سعد زغلول، كما شارك امير الشعراء احمد شوقي في الامر ذاته، ولا يخفى على احد ان إهانة عرابي على يد سعد وشوقي ومصطفى كامل كانت نتيجة تقارب بين ثلاثتهم والخديو عباس حلمي الثاني.

ورغم ان ثورة 23 يوليو 1952 قد ردت الاعتبار الى ثورة 9 سبتمبر 1881، ولكن مع بدء دوائر المؤامرة الغربية في استهداف الدولة المصرية عبر استئجار النخبة، أطلت علينا من جديد الكتابات المغرضة ضد سيرة عرابي وثورة 1881، وذلك في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عبر صفحات جريدة الدستور برعاية الكاتب إبراهيم عيسى والكاتب يونان ليبب رزق، ولاحقاً في سنوات ما بعد يناير 2011 عبر الكاتب يوسف زيدان.

ولم يكن الغرض هنا هو تملق طرف حكومي مصري او ترسيخ زعامة داخل مصر ولكن الغرض هو خدمة اجندة المؤامرة الغربية على مصر والتي تنص على هدم ركائز التاريخ المصري والعسكرية المصرية وضرب سمعة الجيش المصري بوصف قائده السابق واعتباره المتسبب في الغزو البريطاني لمصر او انه قاد عمل سياسي طائش ادي الى الفوضى وعدم القدرة على الدفاع عن مصر امام الغزو البريطاني، وصولاً الى اتهامه بالكذب واختلاق وقائع لم يذكرها التاريخ وان مصر تحتفل بذكرى شخص كاذب وان المؤسسة العسكرية ترأسها في يوم من الأيام شخص يختلق وقائع تاريخية دون سند او ادلة.

اثبات حوار عرابي والخديو

ولقد ذكرت العديد من المراجع الأجنبية تلك الواقعة على وجه التحديد بكل تفاصيلها، مثل السياسي البريطاني ولفريد سكاوين بلنت Wilfrid Scawen Blunt في كتابه "التاريخ السري لاحتلال إنجلترا لمصر"، كما ذكرها المعتمد البريطاني في مصر اللورد كرومر في كتابه "مصر الحديثة"، وكذلك السير أوكلاند كولفن هو المراقب المالي الإنجليزي والمستشار المالي للحكومة المصرية.

اما المكتبة العربية فتضم شهادات من شخصيات كانت مقربة من الخديو توفيق نفسه، وقد اكدت الواقعة وتفاصيل الثورة المصرية وقتذاك كما رواها عرابي في مذكراته او تم تدريسها في المدارس المصرية لاحقاً عقب ثورة يوليو 1952.

ويمكن العودة الى كتاب "مذكراتي في نصف قرن" لكاتبه أحمد شفيق باشا، حيث كان يعمل بالديوان الخديوي وقت أحداث الثورة، وكان واحدًا من الذين كوفئوا على ولائهم للخديوي وقت الأحداث بمنحه النيشان المجيدي من الدرجة الرابعة والنجمة المصرية التي أمر الخديوي بصنعها لتوزيعها على أنصاره المخلصين، ونلحظ من شهادته أنه كان بداخل قصر عابدين وقت لقاء عرابي بالخديوي، مما يجعل لشهادته قيمة كبيرة.

كما يمكن الاطلاع على كتاب "الكافي تاريخ مصر القديم والحديث" للمؤرخ المصري ميخائيل شاروبيم، الذي ولد عام 1854 في حي حارة السقايين بالقاهرة. وهو جد الدكتور بطرس بطرس غالي.

عرف عن شاروبيم انه كان مناهضاً للثورة والحركة الوطنية المصرية وقتذاك، فضلًا عن امكانياته في الدخول إلى وثائق ومعلومات لم تكن متوافره لغيره بحكم الوظائف التي شغلها، فقد تميز بأنه كان شاهد عيان لحوادث وقعت في حياته منذ سبعينات القرن التاسع عشر، ومع ذلك سرد احداث يوم الثورة 9 سبتمبر 1881 كما هو متداول.

بالإضافة الى كتاب "مصر للمصريين" للمؤرخ المصري سليم النقاش، صاحب جريدة المحروسة، وقد نشر كتاب مصر للمصريين عام 1884، عقب الاحتلال البريطاني لمصر وتحول لاحقاً الى موسوعة تاريخية من ستة أجزاء، تحكي ثلاثة منها وقائع الثورة وتضم الثلاثة الأخرى محاضر التحقيقات مع رجالات الثورة.

كما ان احدى قادة الثورة قد سبق وان نشر مذكراته وتضم التفاصيل ذاتها، وهي تحمل اسم "مذكرات تادرس شنودة المنقبادي" ومؤلفها يحمل الاسم ذاته، ولقد طمست ولم تعد تنشر منذ قرابة المئة عام.

لماذا قامت الثورة؟

حينما بدأ الخديو إسماعيل مشروعه القومي لتطوير مصر وفق رؤيته الشخصية، راي ان مصر لا تقل عن الدول الاوروبية المتقدمة وبالفعل استحدث منصب رئيس الوزراء (رئيس النظار وقتذاك) وبرلمان (مجلس شورى النواب) ثم اخيرا ً وفي عام 1866 تحديدا ً أطلق حرية الصحافة تحت اسم الصحافة الشعبية التي كان المقصود مها وقتها هو حرية تملك واصدار الصحف دون خضوع تلك الصحف الي رقابة

وساعد على اثراء تلك التجربة ان مصر فتحت ذراعيها لطبقة من المثقفين الشوام هربت من الاراضي الشامية الواقعة تحت الحكم العثماني القمعي، هذه الطبقة التي لم تكتف بالمشاركة الرمزية بل فيما بعد تسيدت وتزعمت الصحافة المصرية حتى اوائل الاربعينات من القرن العشرين حينما اندلعت حركة تمصير الصحافة المصرية على يد الرعيل الأول المؤسس لنقابة الصحفيين المصرية.

ولكن الاقلام التي تكتب لم تراع الحرية التي اعطيت لها فراحت تهاجم الخديو اسماعيل وتكيل له الاتهامات بانه دكتاتور ولا يسعي الي اصلاحات حقيقية وطالبت السلطان العثماني بإقالة اسماعيل واسناد الخديوية الي ولي عهده محمد توفيق.

في ذلك الوقت، سبعينيات القرن التاسع عشر، وبينما سياسات الخديو إسماعيل قد أدت الى بدء التدخل الأجنبي الإنجليزي والفرنسي في مصر واهدار الموارد المصرية لتسديد الديون الخارجية، تحركت الشخصيات العامة المصرية الوطنية من اجل سن مشروع وطني يخلص مصر من تبعات التدخل الأجنبي والسيولة الصحفية غير المسؤولة والتي أدت الى فوضى غير مسبوقة في الوعي الجمعي المصري وقتذاك.

وأصدرت مجموعة من قادة الرأي ورجال السياسة والعسكريين الوثيقة المعروفة باسم اللائحة الوطنية في 2 أبريل 1879، ووقع عليها 327 شخصية من بينهم ستون من أعضاء مجلس شورى النواب وشيخ الإزهر وبطريرك الأقباط الأرثوذكس وحاخام اليهود المصريون وعدد من العلماء ورجال الدين، وأكثر من أربعين من التجار وكبار الملاك، وبعض الموظفين الحكوميين، وقرابة تسعين من العسكريين.

وركزت اللائحة على مطلبين أساسيين: مشروع وطني لحل أزمة الدين الخارجي يضع حدا للتدخل الأجنبي في إدارة شئون البلاد، وتحويل مصر من الملكية المطلقة وهو المعني العملي للنظام الخديوية الحاكم الى ملكية برلمانية دستورية أي ان الخديو يملك ولا يحكم منفرداً بل هنالك حكومة دستورية منتخبة امام برلمان منتخب، تماماً كما نرى في بريطانيا اليوم.

وكانت رؤية الحركة الوطنية المصرية وقتذاك هو انه من الصعب اعلان انفصال مصر عن الدولة العثمانية التي تمثل سلطة الخلافة الإسلامية من جهة، ومن جهة أخرى من الصعب خلع اسرة محمد على باشا، وبالتالي فأن الحل الوحيد وقتذاك لكي يحكم المصريين أنفسهم هو الحفاظ على التبعية الصورية للدولة العثمانية والوجود الشكلي لأسرة محمد علي على ان يتم تحويل الخديوية المصرية الى ملكية برلمانية وينتخب المصريين الحكومة التي تحكمهم امام البرلمان والخديو.

وفى هذا العصر المبكر من الحياة الحزبية والبرلمانية، تشكلت جمعية مصر الفتاة والحزب الوطني الأهلي، وتعد جمعية مصر الفتاة في سبعينات القرن التاسع عشر حزب مستقل عن حزب مصر الفتاة الذي تأسس في ثلاثينيات القرن العشرين على يد احمد حسين وفتحي رضوان، كذلك الحزب الوطني الأهلي الذي يختلف عن الحزب الوطني الذي اسسه مصطفى كامل أوائل القرن العشرين او الحزب الوطني الديموقراطي الذي اسسه الرئيس أنور السادات في سبعينات القرن العشرين.

وتعد جمعية مصر الفتاة التي ظهرت في سبعينيات القرن التاسع عشر أقدم تشكيل حزبي عرفته مصر في تاريخها الحديث، وقد تأسست في مدينة الإسكندرية واقتبست اسمها من تنظيم وطني إيطالي لعب دورا بارزا في تحقيق الوحدة الإيطالية كان يسمى "إيطاليا الفتاة".

وكان للجمعية جريدة ناطقة باسمها تحمل أيضا اسم "مصر الفتاة" تمت مصادرة أعدادها ثم تعطيلها نهائيا في نوفمبر 1879، ورئيس الجمعية غير معروف لكن نائب رئيسها كان رئيسا لمحكمة أسيوط اسمه محمد أمين، وكاتم سرها محمود واصف، وكان ممن اتصل بالجمعية وانضم إليها عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية، وكان للجمعية برنامج سياسي يدعو لإقامة نظام سياسي جديد يقوم على توزيع السلطات وتوازنها، واستقلال القضاء، وتحقيق المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، وصيانة الحريات الشخصية وحرية الاعتقاد والتعبير، وتطوير التعليم العام والاهتمام به، وإعادة تنظيم الجيش، والإصلاح الضريبي والاقتصادي للتخلص من أزمة الديون الأجنبية والتدخل الاوروبي، كما اهتمت الجمعية في كتابتها بأوضاع الفلاحين والطبقات الشعبية، ويبدو أن الجمعية لم تستمر طويلا فحسب ما ذكره الدكتور محمود متولى في كتابه "مصر والحياة الحزبية والنيابية قبل سنة 1952"، انتقل أعضاء الجمعية تدريجيا إلى الحزب الوطني.

اما الحزب الوطني فقد تأسس في بيت السيد البكري نقيب الأشراف ثم في بيت محمد باشا سلطان اول رئيس للحزب، وقد عرف باسم الحزب الوطني الأهلي كما عرف باسم جماعة حلوان بسبب نقل اجتماعاتها إلى حلوان بعيدا عن عيون شرطة رئيس الوزراء رياض باشا، وقد بدأت المجموعة نشاطها الرسمي في 4 نوفمبر 1879 بإصدار بيان سياسي طبعوا منه 20 ألف نسخة تم توزيعها في أنحاء البلاد، ولكن قبل هذا التاريخ كانت المجموعة موجودة وحاضرة ولها دور ضمن الحركة الوطنية التي تصاعدت وقتذاك.

وضم الحزب في عضويته عناصر مدنية وعسكرية وعددا من قادة الرأي البارزين آنذاك تبنوا برنامجا للإصلاح السياسي والاقتصادي، منهم سليمان باشا أباظة وحسن باشا الشريعي وشريف باشا وإسماعيل راغب باشا وعمر باشا لطفى، ومن العسكريين شاهين باشا كينج وزير الحربية السابق ومحمود سامى البارودي وأحمد عرابى وعبدالعال حلمى وعلى فهمى، وفى ذات الوقت تم تكليف أديب اسحاق بإصدار صحيفة في باريس اسمها "القاهرة" لتكون لسان حال الحزب الوطني، بعد إغلاق جريدتي "مصر" و"التجارة" المعبرتين عن التيار الوطني، وكانت أعداد جريدة القاهرة تدخل إلى البلاد مهربة ويتم تداولها سرا.

وتعد جريدة القاهرة الباريسية اصدار منفصل عن جريدة القاهرة التي صدرت عام 1953 بالقاهرة كأول جريدة مسائية عقب ثورة 23 يوليو 1952 على يد الصحفي السوري اسعد داغر ورئيس تحريرها شيخ الصحفيين الراحل حافظ محمود قبل ان تتوقف عام 1959، وليس لكلا الجريدتين علاقة بجريدة القاهرة التي أصدرتها وزارة الثقافة المصرية مطلع القرن الحادي والعشرين.

ويلاحظ ان القادة العسكريين وعلى رأسهم احمد عرابي قد انتسبوا الى الحزب الوطني الأهلي، وكان عرابي هو لسان حال الحزب حتى ان بعض المراجع تنسب اليه تأسيس الحزب ورئاسته وهو ما لم يكن صحيحاً.

ولقد وافق الخديو إسماعيل على مطالب الحركة الوطنية المصرية وقتذاك، ووجد انها تمثل فرصة للخلاص من الضغوط الأجنبية وان قصر عابدين يجب ان يحتضن الحركة الوطنية المصرية ويتخذها حليفاً ودرعاً بوجه التدخل الأجنبي الأوروبي، وعهد إسماعيل الى رئيس الوزراء رياض باشا ان يدرس المطالب الوطنية من اجل اصدار القوانين اللازمة لتحويلها الى حقائق على ارض الواقع.

ولكن الدول الأوروبية بالتعاون مع الدولة العثمانية استبقت الخديو إسماعيل وطلبت أوروبا من السلطان العثماني اصدار فرمان بخلع إسماعيل وتعيين توفيق بدلاً منه، وتواطؤ السلطان العثماني مع الغرب وعزل إسماعيل في 26 يونيو 1879.

بريطانيا فرملت التحول الديموقراطي

يلاحظ هنا ان بريطانيا والدول الأوروبية قد وقفت بوجه الحركة الوطنية المصرية وفرملت التحول الديموقراطي المصري وقيام دولة عصرية، ما يوضح بجلاء ان الغرب لا يدافع عن الديموقراطية او القيم المدنية والا لكان قد ساعد الحركة الوطنية بوجه الخديو إسماعيل ولكن الغرب يستخدم الديموقراطية والقيم المدنية وملفات حقوق الانسان من اجل نشر "الفوضى الخلاقة" وليس مساعدة الدول والشعوب على الاستقرار والازدهار.

ويلاحظ ان الاحداث التي انتجت ثورة 1881 لم تكن مجرد "هوجة" من احمد عرابي، بل نحن امام مشروع وطني مكتمل الأركان، تم طمسه وحصره في تحرك احمد عرابي فحسب، من اجل تحقير هذا التحرك وتجريده من الظهير الوطني والسياسي والأهلي الذي دعا اليه وشارك فيه.

ثورة فبراير 1879 المنسية

ويهوى المؤرخين إخفاء بعض التفاصيل التي تشير الى شراسة التدخل الإنجليزي في الشؤون المصرية وقتذاك، مثل ان اول رئيس وزراء لمصر نوبار نوباريان موجرديتش قد سقطت وزارته في عهد إسماعيل بسبب هذا التدخل.

والحاصل ان الانجليز في سنوات إسماعيل الأخيرة كان لهم حق تعيين وزير بريطاني في منصب وزير المالية، وهذا الوزير البريطاني قد أصدر قرار بتسريع 2500 ضابط من الجيش المصري!، وكان القرار يمهد لتفكيك الجيش المصري عشية الغزو البريطاني لمصر، وهو الغزو الذي طمعت فيه لندن عبر حملة فريزر في سنوات محمد على باشا قبل ان تثبت مصر قدرتها على التصدي للطموحات البريطانية طيلة نصف قرن من الزمان.

والحاصل ان الضباط المفصولين ومعهم قطاع كبير من الشعب أشعلوا ثورة 18 فبراير 1879، حيث تمت محاصرة نوبار باشا في سيارته وكذلك المندوب الإنجليزي ريفرس ويلسن وزير المالية المصرية!

وبحسب كتاب "تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا" للمؤرخ الياس الايوبي فأن هذه المظاهرات العارمة التي ضربت القاهرة يومذاك قد اسقطت وزارة نوبار باشا الأولى، وأطلق عليها تظاهرات قصر النيل او ثورة قصر النيل، وشكل ولى العهد توفيق باشا الوزارة الجديدة في 23 فبراير 1879.

ثورة فبراير 1881

مع تولى الخديو توفيق الحكم خلفاً لوالده المخلوع، باشر توفيق في سياسات قمعية عنيفة للحركة الوطنية، الى جانب رفضه لانحياز الجيش للحركة الوطنية ومطالب الشعب في التخلص من الوصاية البريطانية والفرنسية على مصر.

وقد بارك توفيق سياسة وزير الجهادية (وزارة الدفاع اليوم) الفريق عثمان رفقي في اصدار قرار بمنع ترقية المصريين داخل الجيش وان يكون قادة الجيش المصري من الشراكسة وما اسموه الاجناس التركية!

وعلى ضوء سياسة تمكين الأجانب من الجيش المصري، اندلعت تظاهرات عابدين في محيط القصر الملكي في 1 فبراير 1881، ولم تكن مظاهرة من العسكريين بقيادة احمد عرابي فحسب بل انضم اليها فئات من الشعب المصري، فلم تكن مظاهرات عسكرية بل شعبية مصرية خالصة.

وقبل الخديو توفيق يومذاك الانحناء امام العاصفة، واقالة وزير الجهادية والبحرية والقبول بمطالب الثوار التي رفعها احمد عرابي بتعيين محمود سامي البارودي وزيراً للجهادية والبحرية الى جانب توليه وزارة الأوقاف.

وقد أدرك رئيس الوزراء مصطفى رياض وقتذاك ان مهمته الأولى لإرضاء الخديو توفيق هو تغليظ السياسات بحق الشعب الذي ناصر ثورتي فبراير 1879 وفبراير 1881، دون ان يفهم حقيقة ان تغليظ الحياة العامة سوف تؤدى للانفجار.

قيام الثورة المصرية

وبالفعل في 9 سبتمبر 1881 قررت الحركة الوطنية التحرك بالثورة الشاملة، وللمرة الثالثة لم تكن مظاهرة عسكرية، بل مظاهرة شعبية، اذ حينما تحرك الجيش، انضمت الجماهير حتى أصبحت المسيرة التي يقودها عرابي شعبية خالصة.

ولم تكن حركة عرابي مفاجئة بل أرسل الى الوزارة بأن عليها ابلاغ الخديو بأن الجيش المصري سوف يتوجه الى ساحة عابدين في الساعة الرابعة ظهر اليوم من اجل " عرض طلبات عادلة تتعلق بإصلاح البلاد وضمان مستقبلها "

ثم أرسل عرابي الي قناصل الدول الغربية المهتمة بشأن مصر رسائل طمأنة بان المظاهرة سوف تكون سلمية وليس الغرض منها خلخلة نظام الحكم في مصر وذلك من اجل قطع الطريق امام اي تدخل أجنبي في مصر بسبب المظاهرة العسكرية

وتحركت آلات الجيش من ثكناتها عبر شوارع القاهرة فالتقي احمد عرابي بزملائه احمد عبد الغفار وعبد العال حلمي وابراهيم فوزي وفودة حسن وعلي فهمي وغيرهم.

والملاحظ ان عرابي قد عمد الى تقديم الاحترام للخديو توفيق، فالغرض كان عرض المطالب وليس الإهانة، اذ حينما خرج توفيق لمقابلة عرابي في ساحة القصر، وقد تعمد توفيق احضار الوزير الإنجليزي والسفير البريطاني معه امام عرابي حتى يثبت للشعب الثائر ان المجتمع الدولي يقف معه ضد تطلعات الشعب المصري.

أدى عرابي التحية العسكرية للخديو بينما وقف خلفه 50 ضابطا ً من ضباط الجيش المصري ومن خلف الجيش مئات من ابناء الشعب المصري التي اشرأبت اعناقهم للمرة الاولي في مواجهة الخديوي الذي طالما اذلهم.

ثم ضرب عرابي مثلا ً اخر لأصحاب ثقافة التجمهر والتكالب على الضعيف، اذ ان الخديوي اشار الي سيف عرابي فسارع عرابي بإخماد سيفه معطيا ً الخديو شارة الأمان والاحترام. ثم التف عرابي الي باقي قادة والجنود الجيش قائلا:" أخمدوا سيوفكم " الا ان دماء الوطنية الثائرة في عرقهم ابت ان تصغي لصوت العقل فتكهرب الموقف قليلا ً الا ان الخديوي ألقى التحية علي عرابي قبل ان يسأله:" ما أسباب حضورك بالجيش هنا؟ " فقال عرابي:" جئنا يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والامة وكلها طلبات عادلة"، فعاد الخديوي يسأل:" وما هي هذه الطلبات؟"

فأجاب عرابي:" إسقاط الوزارة المستبدة، وتشكيل مجلس نواب على النسق الاوروبي وإبلاغ (يقصد زيادة) الجيش الي العدد المعين في الفرمانات السلطانية والتصديق على القوانين العسكرية التي أمرتم وضعها".

وهنا اشتعل الخديوي غضبا ً وصاح:" كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وانا ورثت ملك تلك البلاد عن آبائي و أجدادي، وما انتم الا عبيد احساناتنا "، وهنا شد عرابي قامته وقال عبارته التاريخية :" لقد خلقنا الله احراراً، ولم يخلقنا تراثا ً او عقاراً، فوالله الذي لا اله الا هو اننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم"، فذهل الخديوي وهرول نحو قصره وهو يلهث، ووقف عرابي ورفاقه في اماكنهم الي ان اتي احد رجال الخديوي يفاوضون عرابي علي اسم رئيس الوزراء المقترح فاقترح عرابي اسم محمد شريف (شريف باشا) وبالفعل وافق الخديوي علي تكليف شريف باشا بتأليف الوزارة وهنا طلب عرابي ان يقابل الخديوي مجددا ً وبالفعل تقابل الرجلان داخل القصر حيث اكد عرابي للخديوي انه الجيش هو جيش المصريين وسيظل وفيا ً للخديوي وقابل الخديوي شهامة عرابي بالقول:" لقد وافقت علي الطلبات بنية صافية ".

وفي 14 سبتمبر 1881 أدت وزارة شريف باشا اليمين، فكانت وزارة الثورة، وقد اهتم العالم وقتذاك بالتطورات المصرية، ما بين الدعاية البريطانية الرافضة لثورة الشعب المصري والمثقفين الغربيين الذين ينظرون الى الثورة المصرية باعتبارها امتداد للثورات الحديثة مثل الثورة الفرنسية والثورة الامريكية.

ان مطالب ثورة 1881 كما ذكرها عرابي كانت برلمان على النسق الأوروبي، من اجل تحويل مصر من ولاية عثمانية تتمتع بالحكم الذاتي الى دولة ملكية دستورية، الخديو فيها يملك ولا يحكم، بينما ينبثق عن البرلمان المنتخب حكومة مصرية، بدلاً من حكومات الأجانب كما الحال في وزارتي نوبار باشا ومصطفى رياض باشا، فكلاهما لم يكن مصرياً، وضمت حكوماتهم شخصيات غير مصرية.

كان يفترض بالثورة المصرية وقتذاك ان تجعل من مصر ملكية دستورية مثل بلجيكا واسبانيا وبريطانيا اليوم، بل ان دستور 1923 عقب ثورة 1919 قد حقق هذا الهدف بشكل جزئي ما يعني ان ثورة 1919 في واقع الامر كانت تطالب بنفس مطالب ثورة 1881 ونفذت بعضاً من مطالب ثورة 1881.

وعلى ضوء الدعاية البريطانية المكثفة ضد حكومة الثورة المصرية، طلبت النخب الامريكية من القنصل العام الأمريكي بالقاهرة سيمون وولف ان يلقي محاضرة عن الثورة المصرية وقائدها احمد عرابي، وبالفعل حل وولف ضيفاً على نيويورك في 7 يوليو 1882، لينقل لنا أرشيف الصحافة الامريكية توصيف وولف للزعيم عرابي بالقول ان " عرابي باشا رجل ذكي وصادق وقد تلقي تعليما رفيعا، وهو يعرف قدر المنصب الذي يعتليه في بلده ويعلم حجم المسئولية الملقاة علي عاتقه، ويضيف القنصل: عرابي يعرف كل شيء عن الولايات المتحدة، تاريخها وصراعاتها، وقد أخبرني أكثر من مرة انه يرغب في أصلاح يفضي الي ظهور حكومة دستورية في مصر"، ويضيف القنصل الأمريكي ان عرابي "قدم له نسخة من السيرة الذاتية للجنرال جارفيلد (الرئيس الامريكي الذي توفي متأثرا بجراحه عقب الاعتداء عليه في عام 1882) باللغة الفرنسية وهو ما رد عليه عرابي بالقول انه سيطلب ترجمتها الي اللغة العربية لينتفع بها الشباب في بر مصر، وانه بناء علي اقتراح من القنصل طلب عرابي باشا من الجيش المصري القيام بترجمة الدستور الأمريكي".

ويضيف وولف عن عرابي: "انه شخصية وطنية وهو ما يجعله في حالة عدم اتفاق في كثير من آرائه مع ما يراه الاجانب الذين لا يبدون تعاطفا معه او مع مصالح بلاده.. ان خطر وقوع مذابح ضد اليهود أو المسيحيين في بلاد العرب لن يحدث على خلفية القول ان العرب يتسمون بالتعصب ولكن العنف سيأتي من وراء الرغبة الجامحة او ما يسمي دبلوماسية القوي الكبري.. في المقابل فان الخديوي توفيق، الذي صنعته فرنسا وبريطانيا، رجل هادئ الطباع واقع تحت تأثير الدولتين ويفتقد الاصرار مما يجعل القيادات الوطنية غير متعاطفة معه.. ولو كان الخديوي توفيق في ألمعية جده محمد علي او حصافة والده اسماعيل لكان قد اتخذ قراره بـأخذ صف أبناء شعبه من المصريين يأخذهم الي طريق الاستقلال الوطني الذي يستحقه المصريون.. لكن الامور تسير في الطريق المعاكس وها هو الرجل الذي ينحدر من سلالة نابليون المصري (يقصد محمد علي باشا) يسعي الي الحماية من الغزاة بدلا من السعي الي طردهم.

وتطرق وولف الى محاولات بريطانيا لضرب عرابي والثورة الشعبية المصرية بالقول: "وقال ان هذه الحالة تتبدي بوضوح علي جنبات نهر النيل مثلما هو الحال في كل بقعة اخري من العالم.. حيث تقوم بممارسة الاستقواء على مصر مستغلة ضعفها.. فماذا سيحدث لو اننا امتنعنا عن مستحقات السندات او لم نسدد الفوائد هل ستجرؤ انجلترا ان ترسل اسطولا مسلحا الي نيويورك؟".

ويقول: "أن الحزب الوطني يواجه اسرة محمد علي والتابعين لهم من الشركس (15 الف) واليونانيين من الصيارفة والمقرضين )30 الفاً (والسوريين والاوربيين الذين ينقسمون الي 14 الف ايطالي و14 الف فرنسي و3500 نمساوي والماني و8500 انجليزي و1500 من جنسيات اخري ليصل المجموع الي 36 الفا و500 اجنبي يتحدثون جميعا بحدة عن الحزب الوطني ويشكو الفرنسيون وجميعهم من المضاربين في البورصة من تأثير الثورة وتعرضهم للخسارة.. بينما الانجليز يشعرون بالإحباط من الحركة التي تؤجل من سعيهم للاستحواذ على مصر وهو ما يخططون له منذ قرابة 7 سنوات.. أما الجالية الايطالية فهي منقسمة ما بين تأييد الثوريين نكاية في الانجليز والفرنسيين أو حبا في الحرية.. كما أن فقراء الايطاليين من المالطيين فقد تعلم معظمهم اللغة العربية ويبدون تعاطفا مع المصريين.. في المقابل يؤيد الامريكيون والبلجيك والسويسريون وجود الحركة باعتبارها شيئا اصيلا.. والإنجليز اليوم هم أكثر الجاليات الاجنبية أثارة للقلق في الوقت الراهن ويشكلون خطرا حقيقا علي مصر نتيجة التعويل الكبير من جانبهم علي الضباط الشراكسة الذين يحيون معهم دون سائر المصريين بعلاقة مودة شديدة".

تواطؤ العثمانيين مع الانجليز

وخلال وزارة محمد شريف باشا تم اجراء بعض الإصلاحات الدستورية وافتتاح مجلس النواب الجديد بحضور الخديو توفيق في 26 ديسمبر 1881، وقد غضب توفيق من الإصلاحات السياسية التي جرت والتي كانت تعني بدء تطبيق الملكية الدستورية في مصر وسحب السلطة من تحت قدميه، وبدأ في التواصل مع بريطانيا من اجل الاستعانة بجيشها ضد الشعب والجيش المصري والتجربة الديموقراطية الدستورية الوليدة.

وللمفارقة يحاول البعض ان يلقى تهمة استدعاء الغزو البريطاني على عاتق احمد عرابي والثورة وليس الخديو توفيق، وهو الرجل الذي رتبت حاشيته الاتصال بين الجيش البريطاني وبعض العناصر المصرية من اجل تقديم الرشاوي وافشاء اسرار تحركات الجيش المصري في الصحراء وتطورات العمل العسكري حتى تعرض الجيش المصري للخيانة مقابل المال الذى ذهب لبعض البدو والنفوس الضعيفة وهكذا دخل الجيش البريطاني العاصمة المصرية القاهرة في سبتمبر 1882.

ولقد ساعدت السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بريطانيا منذ سنوات على هذا الغزو، ظناً منه ان بريطانيا سوف تكتفى بتأديب الحركة الوطنية المصرية واقصاء الاسرة العلوية التي تنافس الاسرة العثمانية على زعامة الشرق، ولم يتخيل السلطان الساذج ان بريطانيا سوف تمكث في مصر حتى بعد سقوط الدولة العثمانية.

تولى عبد الحميد الثاني عرش السلطنة في 31 أغسطس 1876، وكان يرى ان الخديو إسماعيل قد تضخم دوره في سنوات السلطان عبد العزيز الأول الذي وافق على تحويل مصر من إيالة الى خديوية وإصدار فرمان ثان بجعل الولاية في أبناء إسماعيل وليس كافة أبناء الاسرة العلوية.

ومع خلع السلطان عبد العزيز الأول في 30 مايو 1876 ثم خلع السلطان مراد الخامس في 31 أغسطس 1876 تولى عبد الحميد الثاني السلطنة، فوافق على مطلب بريطانيا بإصدار فرمان خلع إسماعيل من العرش وتولى توفيق الموالي لبريطانيا.

وفى زمن الغزو البريطاني لمصر، أصدر عبد الحميد الثاني فرمان بعصيان احمد عرابي، ونظراً لان السلطان العثماني وقتذاك كان ينظر اليه باعتباره خليفة المسلمين فأن قرار عبد الحميد الثاني كان عملياً الضوء الأخضر لكل النفوس الضعيفة بأن تقبل الرشاوي وبيع عرابي والجيش المصري الى العدو باعتبار ان عرابي شخصية مارقة يجب القضاء عليها!

لم يحرك عبد الحميد الثاني الجيش العثماني قط للدفاع عن مصر رغم ان العثمانيين كانوا ينظرون الى مصر وقتذاك باعتبارها ولاية عثمانية، ولم يفكر السلطان العثماني بكل صلاحيات خليفة المسلمين نجدة دولة ينظر اليها باعتبارها أكبر دولة مسلمة في العالم من حيث تاريخها في الدفاع عن العالم الإسلامي يوم جاء المغول والصليبين او احتضانها الزعامة الفاطمية والايوبية والعباسية والمملوكية قبل مجيء العثمانيين.

وجاءت فكرة ولعبة الطعن في سمعة وسيرة احمد عرابي من اجل غسل سمعة الجميع، الخديو توفيق الذي لطخ سمعة الاسرة العلوية والسلطان عبد المجيد الثاني الذى لطخ سمعة الاسرة العثمانية وسيرة الدولة العثمانية التي لم تتحرك حيال بريطانيا وتدافع عن مصر عام 1882.