اقتحام الكونجرس الامريكي

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

رغم أن مجمع كابيتول هيل الذي يضم مقرات الكونجرس الأمريكي قد تعرض من قبل لما لا يقل عن ست محاولات للاقتحام، إلا أن الاجتياح الذي تعرض له في 6 يناير 2021 على يد أنصار الرئيس دونالد ترامب هو الأقوى والأشرس عبر تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن له تداعيات سياسية وثقافية وفكرية أكثر ثراءً وزخمًا من كافة محاولات اقتحام قلعة البرلمان الأمريكي.

ولعل المفارقة الثقافية هنا، أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكثر دولة في التاريخ قد روجت لجعبة الأفكار والقيم الثورية، رغم أن الثقافة الفرنسية عقب الثورة الفرنسية قد روجت لفكر الثورة ولكن ترويجًا ثقافيًا ماركسيًا، ولكن أمريكا نشرت فكرة الثورة بشكل سياسي ومسيس عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى أصبحت أكبر قوة سياسية نشرت فكرة وقيم الثورة عبر التاريخ.

وكانت رؤية ساسة أمريكا ومفكريها في هذا الطرح، أن الثورات الشعبية سوف تؤدى إلى انهيار الدول المستهدفة من الداخل، كما الحال مع الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية ويوغوسلافيا والصين والشرق الأوسط، ومنذ نهاية الحرب عام 1945 كانت الدعاية الأمريكية والغربية بحق الدول المستهدفة هي أن الشعوب في حالة قمع وتستحق الثورة، وأن الشرعية الثورية فوق الشرعية الدستورية وفوق العقد الاجتماعي الخاص برعاية السلم الأهلي والعيش الكريم المشترك للشعوب.

أصبحت المعارضة “كيان مقدس” له الحصانة الثورية والإنسانية أن يقدم أي استعراض عنيف بل حتى لو حمل السلاح الثقيل فإن تلك العناصر تظل تحتفظ بصفة المعارضة والثورة والوطنية، بينما الحكومات والدول والجيوش التي تدافع عن كيان الدولة ومؤسسات الوطن والمجتمع وسلامة الشعب هي حكومات ديكتاتورية ظالمة.

وأصبح رموز العنف والإرهاب هم “أيقونات ثورية”، في زمن صناعة النجوم عبر الإعلام وتاليًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كان يكفي أن يتم تصفية أحد المسلحين الذين يحاولون اقتحام مؤسسة سيادية في إحدى الدول السوفيتية أو العالم الثالث حتى يصبح بطلًا ورمزًا للثورة والحرية في الثقافة الغربية، وينتج عنه أفلام وثائقية خلابة وربما سينمائية تذهب إلى منصات التتويج في مهرجانات كان وبرلين وفينيسا وأوسكار، وألعاب فيديو وملابس وأكواب عليها صور للأيقونة الخالدة.

سقوط التبجيل الدولي للعنف الثوري

ولكن حينما جرت أحداث مماثلة في الولايات المتحدة، كانت ردة الفعل وتسمية الفعل وتوصيف ما يجري على الأرض فكريًا وثقافيًا مختلفًا تمامًا عن أكبر دعاية لقيم الثورة عبر التاريخ برعاية أمريكا، ويمكن رصد هذا التناقض والاختلاف في النقاط التالية:

1 – اقتحام البرلمان: إن مشاهد اقتحام المتظاهرين أو مؤيدي ترامب لمبني الكونجرس في مجمع الكابيتول هيل، هو مشهد مماثل لاقتحام عشرات المؤسسات الحكومية والسيادية والبرلمانية، في الجمهوريات السوفيتية السابقة، وفى أوروبا الشرقية إبان انهيار سور برلين، وفى الجمهوريات اليوغوسلافية السابقة، وفى مصر وسوريا والعراق واليمن والكويت وليبيا والبحرين إبان الربيع العربي، وفى الثورات الملونة عقب الحرب الباردة في جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان وفنزويلا وبيلاروسيا.

كان هنالك تطابق كبير، حتى أنه لولا شارة البث التي توضح أن الموقع هو الكونجرس الأمريكي لكان من السهل تطابق المشاهد مع اقتحام برلمان أوكرانيا أو جورجيا في سنوات الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن.

ومع ذلك كان هناك اختلاف جم في توصيف وتعريف ما يجري، ففي دول الإمبراطوريات السوفيتية واليوغوسلافية وأوروبا الشرقية والربيع العربي وأمريكا اللاتينية كانت “أفعالًا ثورية” قام بها المتظاهرون والمحتجون من أجل تنفيذ مطالبهم أمام سلطات طاغية. أما في الحالة الأمريكية تم وصف الفاعلين بالحثالة والغوغاء الذين تطاولوا على رمز الديموقراطية الأمريكية كما وصفهم الرئيس المنتخب جو بايدن ونشرات الأخبار عبر شاشة CNN على مدار يومين.

الفعل الثوري في الدول المستهدفة، أصبح فعلًا تخريبيًا وفوضويًا ومرفوضًا في العاصمة الأمريكية، ويمثل اعتداء على هيبة الدولة ومؤسساتها وعلى مؤسسات الدولة التحرك من أجل اتخاذ التدابير اللازمة تحت تفويض كامل من الدول الكبرى. بل وحتى الأمم المتحدة أصدرت بيانًا ترفض فيه تلك المشاهد بعد أن كانت المنظمة الدولية على رأس المطالبين بتنفيذ مطالب نفس مشاهد الاقتحام في الدول المشار إليها.

كان منطق الدعاية الأمريكية أن الشرعية الثورية أعلى من شرعية مؤسسات الدولة وبالتالي تمتلك الشرعية الثورية الحق في إسقاط الدولة ومؤسساتها، إلى أن وصل دعاة الشرعية الثورية إلى قلب الكونجرس، هنا تحول الإعلام الأمريكي للمرة الأولى في تاريخه للحديث عن هيبة الدولة وكرامة مؤسساتها والسلم الاجتماعي الذي يجب على مؤسسات الدولة أن تطبقه “مهما كان الثمن”.

2 – طلب مساعدة الجيش: سن مصطلح الحكم العسكري والدولة العسكرية جرى على يد المفكرين الأمريكيين بطلب من المخابرات الأمريكية أواخر أربعينيات القرن العشرين، وذلك في إطار الحرب الثقافية ضد المعسكر الشرقي، ولكن قبل هذا التاريخ لن تجد في العلوم السياسية بشقها الفكري والفلسفي مصطلح الحكم العسكري.

ولقد روج الغرب لسنوات أن ممارسة المؤسسة العسكرية لمهام حفظ الأمن والتصدي للشغب والخروج عن القانون هو تدخل للمؤسسة العسكرية في العمل السياسي والتصدي للشعب وثورته ومطالبه.

وشددت الولايات المتحدة منذ بداية القرن الحادي والعشرين على رفض قيام المؤسسات العسكرية في الجمهوريات السوفيتية السابقة ودول الربيع العربي على التصدي لمحاولات إسقاط الدول وتفكيك مؤسساتها بتقدير أن تلك الأفعال يقوم بها ثوار من الشعب.

ولكن حينما جرى الأمر ذاته في الولايات المتحدة، فإن الأنظار كلها قد توجهت إلى هيئة أركان القوات المسلحة الأمريكية صاحبة الحق في إرسال الحرس الوطني وفرق المشاة والقوات الخاصة، وحينما نزلت الفرق العسكرية لتحرير الكونجرس من المعتصمين والمقتحمين، لم نجد إدانة واحدة من الإعلام الدولي والساسة ومنظمات حقوق الإنسان التي طالما أدانت الجيوش السوفيتية واليوغوسلافية والعربية في الإجراءات المماثلة. بل نُظر إلى الأمر بوصفه إجراءً روتينيًا، وحصدت وزارة الدفاع الأمريكية دعمًا وتأييدًا وإشادة من الإعلام الدولي على ما جرى.

بينما الولايات المتحدة تسعى إلى تفكيك الجيوش الوطنية وإلغاء دورها الوطني في حفظ الأمن الداخلي، فإن جيش الولايات المتحدة كان مسموح له بلعب دور وطني وسياسي للحفاظ على العملية السياسية، بل وجرى ذلك بشكل انتقائي، فمن رحب بدور الجيش في فض اقتحام الكونجرس وأحداث 6 يناير 2021 وفرض حظر التجوال والانتشار في العاصمة الأمريكية والتمركز حتى يوم تسليم السلطة في 20 يناير 2021 هم أنفسهم من رفضوا نزول الجيش للعاصمة والولايات المضطربة عقب مصرع الأمريكي الأسود جورج فلويد واندلاع انتفاضة شعبية أمريكية هي الأشرس منذ ستينات القرن العشرين.

وعقب انتهاء 6 يناير 2021، طربت الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية والدولية حينما قدم الجيش الأمريكي تعهدًا رسميًا بانتقال السلطة في موعده، بينما لو جرى أمر شبيه على هذا النحو في الشرق الأوسط أو أي من الدول المستهدفة فإنه يتم اتهام الجيش الوطني بالتدخل في العمل السياسي وفرض نتيجة الانتخابات والانحياز لطرف ما في العملية السياسية على حساب طرف آخر، وتجاوز دور الجيش الوطني في حماية البلاد إلى العمل السياسي العام.

هكذا فإن إجراءات الجيش الوطني في الدول المتقدمة يعبر عن سيادة القانون والدفاع عن مؤسسات الدولة، ولكن في الدول المستهدفة يعتبرونه “الحكم العسكري” و”القمع العسكري” للثوار ومحاربة صوت الشعب والشرعية الثورية.

3 – حرية الرأي والتعبير والإعلام: بينما الغرب مصمم على إتاحة المنابر الإعلامية التقليدية والرقمة لتنظيمات إرهابية، مثل داعش والقاعدة والإخوان وطالبان وغيرهم، ويحتضن بعض عناصر تلك الجماعات الإرهابية بوصفها رموزًا ثورية أو معارضة أو حتى أصحاب قضية، ويضغط الغرب على حكومات الدول المستهدفة من أجل أن يتم تصنيف الإرهاب بوصفه فصيلًا وطنيًا وحركات معارضة والإرهابيين الذي يسفكون الدماء بوصفهم أصحاب رأي وسجناء رأي ومعتقلين سياسيين حينما تتحرك العدالة حيالهم، بل ووصل الأمر إلى أن كافة جمعيات حقوق الإنسان العاملة على مستوى العالم لا تسعى لتوفير مظلة حقوقية في الدول المستهدفة إلا حيال العناصر الإرهابية.

ولكن بعد أحداث 6 يناير 2021، حظر النظام الدولي عبر مؤسساته كافة قنوات “حرية الرأي والتعبير” الخاصة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وستيف بانون زعيم اليمين القومي الأمريكي بالإضافة إلى عدد من الساسة والنشطاء المدافعين عن ترامب.

ويمثل حظر الحساب الرسمي والشخصي للرئيس ترامب عبر منصات فيس بوك وتويتر وانستجرام، بالإضافة إلى حذف تطبيق بارلر Parler من المتاجر الإلكترونية الخاصة بجوجل، مفارقة صارخة لكل الحكومات والقيم الغربية التي صدحت بحرية الرأي والتعبير وإتاحة الفرصة للمجرمين والإرهابيين والقتلة للتعبير عن رأيهم، بينما رئيس أمريكي منتخب لا يزال في السلطة حتى 20 يناير 2021 قد تم تكميم فمه وتكبيل يده من الحديث للرأي العام.

وللمفارقة فإنه في نفس اليوم الذي تم فرض حصار إعلامي ورقمي على الرئيس الأمريكي في 8 يناير 2021، كان تنظيم داعش يبث تسجيلًا عالي الجودة يعلن عن إحدى عملياته، بينما التفاعل جار على مدار الساعة عبر حسابات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية والقائم بأعمال مرشد تنظيم الإخوان المقيم في لندن وغيرها من حسابات جماعات القاعدة والنصرة وحزب الله وحماس وأركان النظام التركي ومشايخ النظام القطري.

حظر الصوت الآخر أو الصوت المضاد أو المعارض للسردية التي يريد النظام الدولي والمعارضة الأمريكية وإدارة بايدن والإعلام الموالي لهم أن تكون هي السردية الوحيدة لأحداث 6 يناير 2021 امتد لحظر شامل على كافة الحسابات والأصوات التي طرحت بعض الأسئلة والسيناريوهات المضادة لما رآه العالم عبر شاشات الـ CNN يوم تم اقتحام الكونجرس.

حديث المؤامرة في اقتحام الكونجرس

فرض الإعلام الدولي حظرًا على تناول مقال رأي بجريدة واشنطن تايمز، كتبه مات جايتز Matt Gaetz عضو مجلس النواب الفائز في انتخابات نوفمبر 2020 عن ولاية فلوريدا وصاحب مقعد في المجلس منذ عام 2010 عن الحزب الجمهوري، فقد أشار جايتز في مقاله إلى أن من قاد عملية اقتحام الكونجرس كانوا عناصر مدربة من حركة حياة السود مهمة وحركة “أنتيفا” الإرهابية كما وصفها.

وأكد الرواية ذاتها الصحفي جيرمي بار من جريدة واشنطن بوست، والجمهوري بول جوسار Paul Gosar عضو مجلس النواب منذ عام 2011، والجمهوري موريس بروك Mo Brooks عضو مجلس النواب منذ عام 2011 وكلاهما فاز في انتخابات الكونجرس نوفمبر 2020.

وكذلك شانون جروف زعيمة الجمهوريين في مجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا، والإعلامية ذات الصيت الواسع لورا انجرهام Laura Ingraham بشبكة فوكس نيوز، والناشط مايك ليندل Mike Lindell مؤسس منصة MyPillow الرقمية.

وقد شنت إدارات المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية حملة حذف وتوقيف وتجميد حسابات كل من تداول أدلة أو صورًا أو آراءً، أو طرح أسئلة حول أي سيناريو خارج السردية التي تريد المعارضة الأمريكية لترامب طرحها وجعلها السردية التاريخية الوحيدة للحدث.

وقد رصد نشطاء في حملة ترامب وصول حافلات خاصة بحركة “انتيفا” إلى مقر التجمع عقب إلقاء ترامب كلمته، حيث نظموا عملية اقتحام الكابيتول هيل، علمًا بأن ترامب في خطابه قد طلب من المتظاهرين التوجه والاعتصام أمام المقر وليس اقتحامه، لأنه ليس من مصلحة ترامب ومنظمي التظاهرة اقتحام الكونجرس، ولكن التخطيط كان الاعتصام خارجه.

ولكن –وفقًا لنشطاء في التيار الترامبي– المظاهرات التي كانت بلا قيادة ويفتقر عناصرها للخبرة السياسية قد وقعت أسيرة في أيدي خبراء محترفين في منظمات وجماعات راديكالية معارضة اندست وسط المتظاهرين وقادت التظاهرة إلى اقتحام الكونجرس وممارسة العنف الثوري والأعمال الخارجة عن القانون الأمريكي.

ووفقًا لمناقشات تم حذفها عبر فيس بوك وتويت، فإن اقتحام مقر الكونجرس عبر هذا العدد يعد أمرًا مستحيلًا لولا أن هناك تراخيًا أمنيًا الغرض منه توريط أنصار ترامب في هذا العمل الإجرامي، وأن التغطية الإعلامية لشيطنة ترامب وأنصاره وتياره كانت جاهزة من قبل يوم المظاهرات، من اجل إقناع الرأي العام بحظر التيار الترامبي ومحاكمة ترامب ونبذ أنصاره من داخل قواعد الحزب الجمهوري وتحرير الحزب الجمهوري من الترامبية وإعادته إلى قبضة المحافظين الجدد على حساب اليمين القومي. وأخيرًا كسب تعاطف مع إدارة بايدن بما يقضي على محاولة الجمهوريين إلغاء فوزه بالانتخابات في جلسة الكونجرس يومذاك.

وتداول نشطاء التيار الترامبي وثيقة من مكتب عمدة واشنطن موريل باوزر Muriel Bowser المنتمية إلى الحزب الديموقراطي، بتاريخ 5 يناير 2021، تطلب فيه إبقاء الحرس الخاص بالكونجرس كما هو دون تعزيزه ورفضت فكرة زيادة الإجراءات الأمنية الخاصة باليوم التالي رغم معرفتها ومعرفة الولايات المتحدة من الساحل الشرقي إلى الغربي أن الرئيس ترامب قد دعا إلى مظاهرات حاشدة في محيط الكونجرس يومذاك.

باوزر هي ثاني امرأة سوداء تتولي منصب عمدة “مقاطعة كولومبيا” التي تضم منطقة “واشنطن دي سي” الفيدرالية لذا تعرف إعلاميًا بعمدة واشنطن، وتنتمي إلى دوائر النشطاء السود المقربين من باراك أوباما وانتخبت لمنصبها عام 2015 إبان حكم أوباما، وما إن بدأت أحداث اقتحام الكونجرس حتى قامت باوزر بطلب استدعاء الحرس الوطني من وزارة الدفاع وإعلان الطوارئ وحظر التجوال في العاصمة يوميًا حتى انتهاء أعمال تنصيب بايدن رئيسًا في 20 يناير 2021.

وقامت منصات التواصل الاجتماعي بحذف العديد من شهادات عناصر جمهورية في الحرس الوطني الأمريكي تفيد بأن إدارة الحرس الوطني لمقاطعة كولومبيا قد تلقت تكليفًا منذ منتصف ديسمبر بأنهم سوف ينتشرون في العاصمة الأمريكية في الأسبوع الأول من يناير 2021 وحتى تنصيب الرئيس المنتخب دون أن يتم توضيح أسباب هذا الانتشار غير المعهود وغير المسبوق، ما يعني أن ترامب قد واجه تمردًا داخليًا شاركت فيه بعض مؤسسات الدولة الأمريكية أو الدولة العميقة كما أشار إليها ترامب بنفسه في أكثر من مناسبة إلى درجة أن الحرس الوطني المكلف بتأمين واشنطن دي سي كانت لديه أخبار قبل اقتحام الكونجرس بأسبوعين أنه سوف يكلف بهذا الانتشار الذى جرى عقب الاقتحام!

إن الإعلام الغربي الذي تشدق بالمهنية والاحترافية والحرية لم يفكر حتى في نفى الأسئلة التي أثارها أنصار ونشطاء حملة ترامب، هل كان هناك تساهل أمنى مع متظاهري ترامب من أجل توريط اقتحامهم للكونجرس؟ هل قادة مسيرة المظاهرات إلى قلب الكابيتول هيل من نشطاء حركات الحزب الديمقراطيين اليساريين والسود؟ هل كانت هناك خطة معدة مسبقًا تورط فيها عمدة واشنطن لإنتاج مشهد يدين ترامب والترامبية والقوميين؟

التناول الإعلامي للتعامل الامني

توفي 5 متظاهرين أثناء أحداث اقتحام الكونجرس بالإضافة إلى عنصر أمنى، وتم إلقاء القبض على الناشط الترامبي ديرك ايفانز Derrick Evans وهو رجل أعمال وعضو بالحزب الجمهوري وعضو منتخب في مجلس نواب ولاية ويست فيرجينيا في نوفمبر 2020 وبدأ في مباشرة عضويته بالمجلس في 1 ديسمبر 2020 ما يعني أن الجيش الأمريكي قد قام بتوقيف عضو برلماني محلي في الولايات المتحدة.

إذا ما جرت هذه المعاملة الأمنية في الدول المستهدفة، لكانت الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وحتى إيطاليا والدنمارك قد أدانت مقتل المتظاهرين، وكانت شاشات العالم قد اتحدت من أجل تحويلهم إلى أيقونات ثورية، وطالبت منظمات هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية وفريدوم هاوس ومنظمات حقوق الإنسان في هولندا وألمانيا وفرنسا وأمريكا بالتحقيق فيما جرى، وتحرك البرلمان الأوروبي من اجل إدانة توقيف واعتقال برلماني ذي حصانة على يد قوات عسكرية، ومحليًا تتلقى حركات المعارضة الموالية للغرب الدعم المادي اللازم لتدشين صفحات رقمية باسم “الشهداء الخمس” من أجل المطالبة بحق الشهداء ومحاكمة رئيس الدولة ونائبه ووزير الدفاع والداخلية، ووزير الأمن الوطني، ومدير المخابرات المركزية والوطنية، وقائد الحرس الوطني ورئيس الأركان، على مقتل خمسة مدنيين عزل في الدفاع عن مبني الكابيتول هيل، بل وربما رأينا منظمات لحقوق الإنسان ترفع قضية دولية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي ضد الجنرال ويليم والكر William J. Walker قائد الحرس الوطني لمقاطعة كولومبيا وربط مقتل خمسة متظاهرين في الكونجرس بتاريخه العسكري إبان عمله في صفوف الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وانتمائه لعرقية الأمريكان السود في شيكاغو جنبًا إلى جنب مع باراك أوباما أول رئيس اسود لأمريكا.

ولكن حينما جرى الأمر في الولايات المتحدة، لم يتم تداول صور أو أسماء أو قصص القتلى الخمس، باستثناء الناشطة آشلي بابيت” ٣٥ عامًا من سان دييجو بولاية كاليفورنيا، حيث استطاع النشطاء الترامبيون تسجيل فيديو ونشره يوضح إصابتها بطلق ناري مباشر من مسافة اقل من اثنين متر داخل مقر الكونجرس على يد الشرطة السرية للمقر، وتداولوا قصة حياتها بوصفها خدمت في القوات الجوية العسكرية 14 عامًا وتركت خلفها زوجًا وابنًا.

ولم تطالب أي من المنظمات الحقوقية الدولية أو الحكومات الغربية بأي تحقيق حيال هذا الفيديو أو الوفاة الغامضة للمتظاهرين الأربعة الآخرين الذين لا نعرف أسماءهم حتى لحظة كتابة تلك السطور.

كما أن الإعلام الدولي فرض حظرًا كاملًا على صور نشر ونشاط الحرس الوطني في العاصمة واشنطن، وحتى الموقع الرسمي لوزارة الدفاع والموقع الرسمي للحرس الوطني بمقاطعة كولومبيا والحسابات الرسمية التابعة له عبر منصات فيس بوك وفليكر وتويتر ويوتيوب لم تنشر مقطع فيديو واحد أو صورة واحدة لهذا الانتشار رغم التغطية الإعلامية الكثيفة للعمليات المماثلة من قبل.

ولكن الإعلام الدولي حرص على عدم إعطاء معلومات عن التحركات العسكرية للجيش الأمريكي في العاصمة الأمريكية وتفويت الفرصة على بعض النشطاء لتسجيل لقطات تظهر استعانة السلطة المدنية بالقوات المسلحة في الشأن الداخلي.

هكذا حافظ الإعلام الأمريكي والدولي على سمعة وأسرار وخصوصية المؤسسة العسكرية الأمريكية، بينما يتسابق نفس الإعلام على تسريبات وصور غير دقيقة ومزيفة للمؤسسات العسكرية والجيوش الوطنية في الدول المستهدفة، ويروج كذبًا أن الشعوب في العالم الحر تعرف كل كبيرة وصغيرة عن شؤون جيوشها وأن البرلمان يناقش كل شيء عن أسرار المؤسسات العسكرية، وهو أمر لم يحدث قط في تاريخ الغرب عمومًا والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص وإلا لكانت مؤسسات الاتحاد السوفيتي قد تابعت جلسات الكونجرس لمعرفة أسرار الجيش الأمريكي والتفوق عليه في زمن الحرب الباردة.

سقوط الدعوات الثورية والحقوقية

إن ازدواجية الغرب، سواء الحكومات أو النشطاء أو المؤسسات، في التعامل مع اضطرابات الكونجرس 6 يناير 2021، وما سبقتها من حوادث مماثلة في الدول المستهدفة بالعالم السوفيتي واليوغوسلافي والعربي والإسلامي، يكشف بجلاء زيف أسطورة الشرعية الثورية وقدسية الزحف المقدس للجماهير وحرية التعبير والرأي والقيم الإنسانية الخاصة بإعطاء الإرهابيين نفس الحقوق المدنية والقانونية للمواطن الملتزم.

وإن كانت انتخابات الرئاسة الأمريكية نوفمبر 2020 قد شهدت مصرع نموذج الديموقراطية الأمريكية، فإن ردود الأفعال على اضطرابات 6 يناير 2021 الأمريكية تثبت مصرع نموذج الثورة والشرعية الثورية مثلما روجت له الولايات المتحدة منذ عام 1945.