الاسلام السياسي التركي

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

شاءت الأقدار أن يغلف الغموض تجربة الجماعات الإسلامية في تركيا لعقود من الزمان، ما أعطى للإسلاميين ميزة أن يكتبوا بأنفسهم تاريخ تلك التجربة حينما أتى التمكين في سنوات رجب طيب أردوغان، ولم يكن هذا الغموض عائدًا إلى ممارسة أبناء الجماعات الإسلامية لـ “تخابث التمكين” فحسب، ولكن لأن القوانين التي صاغها العصر الكمالي – نسبة إلى “مصطفى كمال أتاتورك” – كانت تجرم أي نشاط ضد علمانية الدولة بل ووصل الأمر إلى إعدام أركان أول حكومة إسلامية الهوى في تاريخ تركيا.

وللمفارقة فإن الأسرة العثمانية حصدت ميزة شبيهة، حيث خيم الغموض على أصلها وتاريخها وسنواتها الأولى، وعقب إسقاط العثمانيين لبيزنطة وما خلفه سقوط القسطنطينية من زلزال سياسي عالمي، امتلك العثمانيون ميزة كتابة تاريخ الأسرة ودولتها وتسويقه للعالم وفقًا لأهوائهم، وأصبح التنقيب في التاريخ عن أصول وبداية الدولة العثمانية شأنًا بحاجة إلى مؤرخين محترفين، وليس هواة تلخيص كتب التاريخ المسلم بها.

Contents

نشأة الإسلام السياسي العثماني

في السنوات الأخيرة للدولة العثمانية، كان هناك ثلاثة أنماط من الحراك الإسلامي أو الإسلام السياسي داخل ما يعرف اليوم بـ تركيا:

1 – إسلام سياسي موالي للعرش العثماني، نشأ بتوجيهات ألمانية من أجل إطلاقه بوجه الاستعمار الفرنسي والبريطاني في الولايات العثمانية الناطقة باللغة العربية، وهي جماعات لم يمتلك الباب العالي الوقت الكافي لاستخدامها في الحرب العالمية الأولى ولاحقًا لحقت بالمجموعات الأخرى التي عانت من قرارات علمانية الجمهورية التركية.

2 – الإسلام السياسي الموالي لبريطانيا، وقد نشط في الولايات العثمانية الناطقة باللغة العربية وشارك في الثورة العربية الكبرى وتأسيس أفكار القومية العربية، ولم تمتلك بريطانيا الوقت الكافي لاستخدامه داخل ما يعرف اليوم بالجمهورية التركية، ولكن عقب بدء الحقبة الكمالية انضم إلى باقي المجموعات الأخرى.

3 – النمط الثالث الذي مثل العمود الفقري للإسلام السياسي التركي هو المستقلين في حقبة أفول الدولة العثمانية، الذين شعروا بأن الخلافة الإسلامية مهددة وتترنح، وأن الدولة العثمانية التي كانت وفقًا لرؤيتهم هي دولة الإسلام طيلة ستة قرون من الزمان على وشك الانهيار والتداعي، هنا بدأت فكرة العودة إلى جذور الإسلام وحركة الإحياء الإسلامي.

الرعيل الأول من الإسلاميين الأتراك في العقدين الأخيرين من الدولة العثمانية، نهل من كتابات الإسلاميين المصريين، خاصة الشيخ محمد عبده وبعض كتابات الشيخ رشيد رضا، إضافة إلى كتابات جمال الدين الأفغاني خاصة حينما كان في مصر، ليشكل الإسلاميون المصريون مرجعية الإسلام السياسي العثماني.

وللمفارقة فإن كتابات رجالات تنظيم الإخوان في مصر شكلت المرحلة التالية في هذا المضمار، رغم أن دين الإسلام في تركيا صوفي الهوى، بينما كتابات الإخوان خاصة في سنوات الحرب الباردة كانت تميل إلى السلفية عمومًا بل وأسست السلفية الجهادية عبر كتابات سيد قطب، ولكن الإسلاميين الأتراك تأثروا بكتابات سيد قطب، إذ اخذوا من تلك الكتابات فكرة العودة إلى الأصول وإلى أساس الدين بحسب رؤيتهم.

كما نهل الإسلاميون الأتراك من كتابات حسن البنا، ولا عجب في ذلك لأن الأخير كان صوفي الهوى، ولعل تأثر الإسلاميين الأتراك الصوفيين بالتأسلف الإخواني يوضح حقيقة تاريخية أن الطرفين تشاركا في الكثير من المرجعيات والأفكار، وأن شيوع فكرة التضاد بين الفريقين شديد الشبه بمن ظن أن الإسلام السياسي السني مضاد للإسلام السياسي الشيعي قبل أن نرى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله في تحالف واحد مع تنظيم الإخوان في مصر وحركة حماس في فلسطين.

ظاهرة المثقف الإسلامي

نشأت في تركيا ظاهرة “المفكر الإسلامي” أو “المثقف الإسلامي”، وهو المنظر الباحث عن أصول لإيحاء الدين أو حركة إحياء الدين كما أطلق عليها لاحقًا، ولاحقًا أصبحت تلك الظاهرة علامة مميزة في الجماعات الإسلامية، ويمثل المثقف الإسلامي دائمًا الجسر الذي تنتقل فيه الأفكار الإسلامية المتطرفة من خارج البلاد إلى الداخل الثقافي والاجتماعي والديني، فكان المثقف الإسلامي دائمًا في تركيا هو العامل الوظيفي في نقل أفكار الإسلاميين من مصر وإيران وباكستان إلى الداخل التركي.

الباحث في المعهد الفرنسي للدراسات جان ماركو في ورقة بحثية بعنوان “زمن ما بعد الإسلام السياسي في تركيا”، يشير إلى أن الإسلام السياسي المعاصر في تركيا نشأ متأثرًا بمشروع تنظيم الإخوان ونشأته في مصر، عكس المعتقد فإن الفضاء التركي استوعب الأفكار القادمة من مصر وإيران وباكستان، الدول الثلاث التي لعب تنظيم الإخوان دورًا رئيسًا في سياستهم، وأن نجم الدين أربكان اغترف من الأفكار الإخوانية المصرية وصنع منها أحزابه الإسلامية واحدًا تلو الآخر.

وللمفارقة فإن هذا التأثير الإخواني الضخم على الإسلاميين الأتراك، أصبح اليوم معكوسًا عقب انهيار تنظيم الإخوان المصري عقب ثورة 30 يونيو 2013، أي أصبح إخوان مصر أتباعًا للإسلاميين الأتراك بعد أن ظل تنظيم الإخوان المصري يهيمن فكريًا على إخوان وإسلاميي تركيا منذ نشأة التنظيم على يد حسن البنا.

د. كمال حبيب يقر في ورقة بحثية بعنوان “المثقفون الإسلاميون الأتراك من الاغتراب إلى الاختراق” أن النخب الإسلامية والمفكرين الأتراك الإسلاميين نهلوا من المفكرين الإسلاميين الإخوان في مصر، وإخوان باكستان.

يمكن القول إن ظاهرة المثقف الإسلامي ذي التوجه الإصلاحي ظهرت في المرحلة الأخيرة من الدول العثمانية، وعلى رأس هؤلاء “محمد عاكف” الذي ترجم أفكار الحركة الإسلامية المصرية مثل محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، أوائل القرن العشرين ما يوضح أن القاهرة كانت منذ البداية هي المنبع الذي تنهل منه الحركات الإسلامية التركية، ما بين الوسطية إلى السلفية.

صناعة عداء الإسلام للدولة الوطنية

المنظر الأول للإسلام السياسي التركي كان الشاعر الصوفي نجيب فاضل قيصاكورك (1904 – 1983) مؤسس حركة الشرق الكبير، وترجع أهمية نجيب فاضل إلى أنه عاصر ثورتي 1960 و1971 وانحياز الجيش لهذه الثورات تحت بند حماية الدولة القومية من الإسلام السياسي، فكان فاضل هو كاتب أدبيات رفض الإسلام السياسي للدولة القومية والدولة الوطنية، ومن أهم المفكرين الأتراك الذين صاغوا ما جرى في تركيا أعوام 1960 و1971 و1980 بأنها انقلابات عسكرية وليس ثورات شعبية.

قبل نجيب فاضل لا يوجد أي نص في دين الإسلام كان يرفض دولة المواطنة والروح الوطنية، ولا تعارض بين الدين والوطنية، ولكن بعد كتابات هذا الإسلامي التركي تبنى الإسلاميون في مصر وسوريا والعراق والعديد من الدول فكرة “الحدود التراب” و”الحدود المستحدثة”.

مقاومة دور المؤسسة العسكرية ومحاولة تفكيك الجيش الوطني والقضاء على الشعور الوطني، كانت تلك كتابات نجيب فاضل التي أسست أدبيات الإسلام السياسي التركي وهي الأدبيات التي نهل منها الإسلام السياسي المصري لاحقًا، خاصة عقب ثورة 30 يونيو 2013 وإزكاء الروح الوطنية وإعلاء قيم دولة المواطنة أو الدولة القومية بعد سقوط المشروع الإسلامي الإخواني.

وقد ترجم نجم الدين أربكان أفكار نجيب فاضل في الكثير من خطاباته، كما أن الرئيس التركي عبد الله جول كان من آخر جيل تتلمذ في مجالس نجيب فاضل. الشرق الأوسط ما قبل نجيب فاضل لم يشهد أي تضارب أو تناقض ما بين فكرة الدين والوطنية، ولكن هذا الرجل هو ما صنع هذا التضارب والتناقض الذي وزعه الإسلاميون في كافة دول العالم خاصة ما يسمى بالدول العربية والإسلامية.

وللمفارقة فإنه حتى اليوم لا يعرف أصول نجيب فاضل أو نجم الدين أربكان أو اغلب رجالات الإسلام السياسي التركي، إذ بحلول عام 1934 صدر قانون الأنساب والألقاب في تركيا، وكان الغرض منه تنظيم نسب وأصل ذلك الشعب الهجين الذي تحيرت الأمم الشرقية قبل الغربية في معرفة أصوله، وعلى ضوء هذا القانون اختارت كل أسرة وكل فرد في تركيا الجديدة اسم عائلي ونسب يتنسب إليه، وبالتالي فإن كافة الأمجاد العائلية للشعب التركي هي من تأليف الآباء المؤسسين للشعب التركي في ثلاثينات القرن العشرين دون دلائل تذكر!

التطرف العلماني ينتج التطرف الديني

عقب الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، بدأ الزعيم التركي مصطفى كمال في تأسيس الجمهورية التركية، فأعلن في 1 نوفمبر 1922 إلغاء منصب سلطان الدولة العثمانية، وفى 29 أكتوبر 1923 أعلن قيام الجمهورية التركية، وفى 3 مارس 1924 أعلن إلغاء منصب الخليفة العثماني، وكان كل ذلك مفهومًا في إطار سقوط الإمبراطورية.

ولكن التشدد الذى صنعه مصطفى كمال في تطبيق العلمانية، أعطى درسًا تاريخيًا للشرق الأوسط بأن العلمانية لا تطبق دفعة واحدة أو عبر قرارات فوقية حكومية، وأنه يجب أن تنبع العلمانية من الشعب أولًا، الزعيم التركي اطلق على نفسه أتاتورك أو أبو الأتراك، قرر إغلاق التكايا الصوفية والأضرحة والزوايا، كما فرض كتابة اللغة التركية بالأبجدية اللاتينية وليس الأبجدية العربية الأكثر ملائمة للغة التركية، ما أعاق فكرة تعليم الشباب للقرآن الكريم على ضوء أن المصحف مكتوب بالأبجدية العربية المحظورة في تركيا، وأخيرًا سن أتاتورك قوانين علمانية الدولة التي ترى في أي نشاط ديني جريمة ضد التوجه العام لسياسة الدولة.

وكانت النتيجة تولد شعور لدى قطاع لا يستهان به من الشعب بأن هنالك حربًا على الإسلام والعبادة، رغم أن أتاتورك كان رجلًا متدينا، ولكنه نظر إلى التيارات المحافظة باعتبارها مسؤولة عن تخلف الدولة العثمانية، رغم حقيقة أن تخلف الدولة العثمانية يعود إلى عوامل تاريخية وأخرى تتعلق بالهزائم العسكرية خلال القرن التاسع عشر.

وجد الغرب في تذمر المتدينين والمحافظين الأتراك فرصة مهمة، في إطار حقيقة أن عشرينيات القرن العشرين كانت العصر الذهبي لبريطانيا في إعادة تشكيل الإسلام السياسي الموالي لها، سواء في مصر عبر حسن البنا وصولًا إلى شبه الجزيرة الهندية (الهند، باكستان، بورما).

وبدأ الغرب في توحيد تيار الإسلام السياسي داخل الجمهورية التركية الوليدة، بقايا الإسلام السياسي العثماني والإسلام السياسي الموالي للغرب والمستقلين الذين شكلوا العمود الفقري للحركة الإسلامية التركية، وإن خسروا صفة المستقلين عقب قيام الجمهورية، وأصبحوا قادة الإسلام السياسي الموالي للغرب.

وكما يجري مع أي دولة ذات أغلبية مسلمة، يتم تطبيق العلمانية بقرارات فوقية حكومية دون الاهتمام بنشر قيم الدولة المدنية بين فئات الشعب، كما الحال مع تجربة الرئيس التونسي بورقيبة الذي ما إن سقط نظام خليفته زين العابدين بن علي عام 2011 حتى راح الشعب التونسي ينتخب الإسلاميين عشر سنوات كاملة، فإنه ما إن أقرت تركيا التعددية الحزبية والذهاب إلى انتخابات برلمانية متعددة عام 1946، استولى الإسلاميون على السلطة عام 1950 في الانتخابات البرلمانية وذلك عبر الحزب الديموقراطي.

عدنان مندريس.. الجناح الإسلامي لحلف الناتو

نشأت فكرة استخدام التيار الإسلامي بوجه المد السوفيتي الشيوعي مبكرًا، ولعل الجهود الأمريكية التي تكللت بالنجاح لإحياء تنظيم الإخوان في مصر عام 1951 كانت البداية، إضافة إلى سعيد رمضان، واستخدام بقايا الإسلام السياسي الموالي لألمانيا في ميونخ وتوظيفه للأجندة الغربية عمومًا والأمريكية على وجه التحديد.

وكان نصيب تركيا مضاعفًا، فقد قرر الغرب استخدام الإسلاميين، وقرر الغرب استخدام تركيا كحائط صد في وجه الاتحاد السوفيتي، على ضوء الموقع الجغرافي التركي المميز غرب الاتحاد السوفيتي، إضافة إلى حدود تركيا المشتركة مع آسيا الوسطي أو الجمهوريات السوفيتية المسلمة، والترابط الصوفي بين تركيا والجمهوريات السوفيتية المسلمة في آسيا الوسطي والقوقاز، هكذا بدت تركيا حلقة وصل جغرافية وإسلامية بشكل رائع في أجندة الكتلة الغربية أثناء حربها مع الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي في سنوات الحرب الباردة.

حكم رئيس الوزراء عدنان مندريس تركيا ما بين عامي 1950 و1960، ونفذ الأجندة الأمريكية المطلوبة بإتقان، سواء انضمام تركيا إلى حلف الناتو، أو عضو مؤسس في حلف بغداد ثم استضافة مقر الحلف في تركيا عقب ثورة يوليو العراقية عام 1958.

كما دعم مندريس جهود تنظيم الإخوان في مصر وسوريا بوجه الشيوعيين العرب وحتى القوميين العرب، وأيد مندريس العدوان الثلاثي على مصر، حيث طمح مندريس في زعامة إقليمية وكانت شعبية الرئيس المصري جمال عبد الناصر هي الحائط الأول في وجه طموحات مندريس الإقليمية، ولما حاول مندريس استغلال قرب سقوط سوريا تحت حكم الشيوعيين الموالين للاتحاد السوفيتي وإقناع الولايات المتحدة بأن تقوم تركيا بعملية عسكرية في سوريا عام 1955، تفاجأ مندريس بمشروع الوحدة بين مصر وسوريا والذي أنقذ سوريا من الغزو التركي في الخمسينات.

وتمدد التيار الإسلامي ونشط في سنوات مندريس، رغم أن الأخير لم يعلن رفضه لعلمانية الدولة والمبادئ الكمالية، ولكنه عمل بدأب على إلغائها دون الإعلان عن انتمائه السياسي خوفًا من المواد الدستورية التي تجرم الأنشطة المعادية للعلمانية الكمالية.

ومن أجل تهدئة طبقة الفلاحيين والفقراء وعدم تفشي الأفكار الشيوعية في المجتمع التركي، طبق مندريس التوصيات الأمريكية بتوسيع قاعدة الملكية الشخصية إضافة إلى حزمة من الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية، ولكنه فشل في إدارة ملف الاقتصاد وأفرغ خزينة تركيا من العملات الأجنبية وراحت أسعار السلع الاستهلاكية تتزايد بشكل بشع.

وعلى ضوء الأزمة الاقتصادية التي نهشت في طبقات المجتمع التركي، دعا الرئيس التركي الأسبق عصمت إينونو رئيس حزب الشعب الجمهوري إلى تظاهرات حاشدة، تحولت إلى ثورة شعبية انحاز لها الجيش التركي عام 1960.

وقامت المحكمة العسكرية بالحكم على مندريس بالإعدام، إضافة إلى وزير الخارجية فطين رشدي زورلو ووزير المالية حسن بولاتكان، بتهمة اعتزام قلب النظام العلماني وتأسيس دولة دينية. وفي اليوم التالي لصدور الحكم في أواسط سبتمبر 1961 تم تنفيذ حكم الإعدام بمندريس، وبعد أيام نفذ حكم الإعدام بوزيريه، بعد أن نصب مندريس بلاده تركيا جناحًا إسلاميًا لحلف الناتو في مشاريع الحرب الباردة وما بعد الحرب الباردة لليوم.

أما جلال بايار رئيس الجمهورية الذي شغل المنصب ما بين عامي 1950 و1960، فقد صدر حكم بسجنه مدى الحياة قبل أن يفرج عنه لأسباب صحية عام 1964 وتوفى عام 1986 عن 103 عامًا، كما صدر قرارًا بحل الحزب الديموقراطي.

إسلاميون في حاشية أتاتورك

عقب سقوط أول تجربة إسلامية في حكم تركيا جرت مراجعات جمة، فالإسلاميين تنصلوا من عدنان مندريس والحزب الديمقراطي، فلا رغبة لهم في حمل تبعات تجربة فاشلة أمام التاريخ وأمام الشعب التركي، وأيضا فإن علاقة مندريس العلنية مع الغرب وحلف الناتو وحلف بغداد وتأييده العدوان الثلاثي وعدائه لمصر وسعيه لغزو سوريا كان إرثًا أثقل من أن يحمله الإسلاميون الأتراك طواعية، فكانت علاقة مندريس بالإسلاميين تذكر تلميحًا في مجالس الإخوان بأنه كان “متعاطفا” مع الإسلامين فحسب، على ضوء صعوبة نفى المساحات التي كسبها الإسلاميين الأتراك في سنوات مندريس.

كما لعب الإسلاميون دورًا رئيسيًا في وصف ما جرى عام 1960 باعتباره انقلابًا عسكريًا وليس ثورة شعبية انحاز لها الجيش التركي، حتى نرى أكثر المؤرخين اعتدالًا اليوم مقتنع بالرؤية الإسلامية الإخوانية لما جرى في تركيا عام 1960!

إن الملاحظ أن الحزب الديمقراطي قد خرج من قلب حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك، ولعل ذلك يلقي الضوء على صفحة مجهولة في تاريخ تركيا، يتعلق بأن بعض الإسلاميين الأتراك قد انضموا لدعم أتاتورك، في بادئ الأمر ظنوا انه سوف يجدد دماء الخلافة العثمانية بل ونادى به البعض خليفة للمسلمين، ولما رفض أتاتورك ومزق عباءة الخلافة وأعلن الجمهورية، مارس الإسلاميون في حاشية أتاتورك التقية لعقدين من الزمان، على أمل التمكين.

جلال بايار على سبيل المثال هو آخر رئيس وزراء في زمن الرئيس أتاتورك، وقد شارك في حرب الاستقلال التركية بجانب أتاتورك عقب الحرب العالمية الأولى وانتخب عضوًا في البرلمان التركي، أما عدنان مندريس فكان من شباب حزب الشعب الجمهوري وانتخب أربع دورات متتالية على قوائم الحزب عضوًا بالبرلمان التركي أعوام 1931 و1935 و1939 و1943. ولكن مع تمكين الإسلاميين في سنوات رجب طيب أردوغان، بدأ الأخير في تمجيد مندريس ووضع اسمه بجانب نجم الدين أربكان في خطاباته التي يتحدث فيها عن مرجعياته الإسلامية!

فتح الله كولن أبو الإسلام الاجتماعي

لم يصعد الجيل الثاني من الإسلاميين إلى مسرح الأحداث في تركيا إلا عقب عقد كامل على إعدام عدنان مندريس، وذلك بظهور ثنائية فتح الله كولن ونجم الدين أربكان، وإذا كان الإسلاميون الأتراك اليوم يطلقون على أربكان أبو الإسلام السياسي التركي فإن كولن هو أبو الإسلام الاجتماعي بامتياز.

والحاصل مع بدء حقبة سبعينايت القرن العشرين أن الغرب قرر تكثيف “الحل الإسلامي” بوجه الاتحاد السوفيتي، وتقرر اللجوء إلى الاستراتيجية البريطانية في توزيع الأدوار، كان كولن حاضرًا وجاهزًا للعب الدور الاجتماعي دون السياسي، حيث دعا إلى حركة للإحياء الديني دون الذهاب إلى قاعات البرلمان وصالات الأحزاب وصناديق الانتخابات، وأن الدين مكانه الخدمات الاجتماعية والمشاريع الخيرية والصالونات الثقافية والزعامة الصوفية.

في واقع الأمر صنع كولن شبكة سميت تنظيم الخدمة، تمددت سريعًا من تركيا إلى الداخل السوفيتي سواء آسيا الوسطي أو القوقاز، ونظرًا لعبقرية كولن في عدم العمل بالسياسة بل ومهاجمة أربكان في بعض الأحيان، والتأفف من دمج السياسة بالدين، فإن السوفييت لم يشكوا سريعًا في مدارس كولن التي راحت تتمدد وتقوي الأصولية الإسلامية بنسختها الصوفية وتصنع حالة من الفوران المجتمعي ضد السلطات السوفيتية.

إلى اليوم، عقب نصف قرن من بدء “حركة كولن”، لم يقدم الزعيم الصوفي التركي أي إجابات عن التمويل الملياري الذي تحرك به منذ ريعان شبابه، لتأسيس عشرات المدارس الدينية، ودور النشر وتوزيع الكتب وطباعتها وتأسيس شبكة من المواقع الإلكترونية الفخمة الناطقة بـ 12 لغة في زمن لا نرى فيه أعتى المواقع الإلكترونية الرسمية للدول الكبرى قادرة على النطق إلا بثلاث لغات فحسب!

جيوش جرارة من العاملين في عشر دول على الأقل، وثراء فاحش، وتمويل سخي لأنشطة الحركة داخل تركيا وخارجها، استمر حتى مع سقوط الاتحاد السوفيتي من أجل استمرار استقطاب المجتمعات الجديدة، لتتحول حركة كولن إلى طائفة دينية غامضة لها أذرع اقتصادية وصحفية وإعلامية خارج تركيا وداخلها.

إن الملاحظ أن المتخرجين من مدارس فتح الله كولن شغلوا لاحقًا مناصب مهمة في بلادهم في آسيا الوسطي أو الجمهوريات السوفيتية سابقًا، كأن مدارس كولن كانت مفرزة لإعداد رجالات ما بعد الاتحاد السوفيتي، تعاليم كولن وإن ركزت على الميراث العثماني إلا أنه تحدث عن اقتصاد السوق وعن الديمقراطية ما يعني عمليًا أن الرجل كان يصدح بخطاب مضاد لليسار والاشتراكية.

دانيال ستينفورث مراسل مجلة دير شبيجل الألمانية في إسطنبول له ورقة بحثية مهمة بعنوان “حركة فتح الله كولن.. التصوف والروحانية بمرجعية أصولية”، يرصد أن الإسلام الصوفي في تركيا يتلاقى مع الإسلام الأصولي السني، بل وحتى الأصولية الشيعية التي صدح بها زعيم الإسلاميين الإيرانيين آية الله الخميني، حتى أن مايكل روبن Michael Rubin – أحد العاملين سابقا بالبنتاجون، والذي يعمل بمعهد أمريكان انتربرايز التابع لتيار المحافظين – شبه كولن المقيم في المنفى الأمريكي بالخميني قائلًا “سوف تُصبح إسطنبول عام 2008 شبيهة بطهران عام 1979 إذا ما قبلت أمريكا إعادته إلى أنقرة”.

الغرب دعم حركة كولن، ورأى أنها حائط صد للشيوعية في آسيا الوسطي وتركيا وتعاونوا معه لنشر مدارس الحركة في آسيا الوسطي وأوروبا الشرقية والجمهوريات السوفيتية المسلمة أو الجنوب السوفيتي المسلم، وهكذا وبينما الغرب يدعم الأصولية السنية من أجل تنظيمات المسلحة بوجه السوفييت في أفغانستان عبر أسامة بن لادن وعبد الله عزام وأيمن الظواهري، كان هنالك أصولية صوفية يدعمها الغرب داخل تلك المجتمعات السوفيتية، لنكشف حقيقة أن الحركة الصوفية وليس الحركات السنية فحسب هي من تعاون مع المخابرات الأمريكية في مخطط بناء سد إسلامي أمام المد السوفيتي. وتحتفى الأوساط الثقافية الغربية بكولن حتى اليوم باعتباره “الوجه الحديث للصوفية العثمانية”.

أهم أفكار فتح الله كولن

يرى كولن أهمية أن يتعلم الأتراك اللغات الإنجليزية والعربية والفارسية للانفتاح على دول الجوار، يرى أن الإسلام في تركيا مختلف عن الإسلام في البلاد العربية، متحدثًا عن “خصوصية الإسلام التركي”، وأن هناك الإسلام التركي أو الأناضولي وهو مزيج بين دين الإسلام والقومية التركية، ولعل هذا الأمر يوضح لماذا قدم أربكان لاحقًا أفكاره الإسلامية في إطار قومي، ولاحقًا تحالفت الحركات القومية التركية مع الإسلام السياسي في زمن أردوغان، فالتيار القومي التركي نظرا لضعف نظريات وأساس القومية التركية هو تيار ديني في أساس مهما ادعى العلمانية والبعد أن الأفكار المحافظة، لم ينهض إلا على أنقاض دولة تأسست لأسباب دينية هي دولة آل عثمان.

صاغ كولن تاريخ الشيخ الصوفي “بديع الزمان سعيد النورسي”، ويرى أن الحركة النورسية امتداد لجلال الدين الرومي ومحي الدين بن عربي، فصاغ مشروع وشكل الصوفية التركية وصنع لها امتدادًا وعمقًا تاريخيًا.

واستغل كولن النظريات القومية بأن الأتراك هم أصل شعوب آسيا الوسطى والشعوب السوفيتية المسلمة، فكان ذلك مدخلًا لجذب تلك الشعوب إلى خطابه الصوفي الداعي للتمرد على السوفييت والمطالبة بالحكم الذاتي والديمقراطية والليبرالية الاقتصادية بدلًا من الأفكار السوفيتية الاشتراكية.

وتعمد كولن الابتعاد عن مسيرة أربكان، بل وكان يوجه انتقاد للإسلاميين العاملين في السياسة، رغم أن حركة كولن في واقع الأمر حركة سياسية أشبه بتنظيم دولي مواز للتنظيم الدولي للإخوان.

كولن وأردوغان.. غريم اليوم حليف الأمس

رحب كولن بسقوط وزارة أربكان عام 1997، ولكن عقب اقل من عامين من استقالة أربكان، كان كولن يغادر الأراضي التركية بشكل مفاجئ عام 1999 ليصل إلى ولاية بنسلفانيا الأمريكية، بلا عودة حتى اليوم، وبعد هذه المغادرة المفاجئة بشهرين خرجت تسريبات صوتية تحمل توجيه من كولن إلى رجالاته بسرعة التسلل إلى المقاعد القيادية في تركيا من اجل الاستيلاء على السلطة، ليتضح أن كولن وحركة الخدمة حاولت عام 1999 الاستيلاء على السلطة ولكن أمر كولن قد انكشف، واستطاع عبر شبكة اتصالاته توفير هروب آمن قبل أن تبدأ السلطات التركية في التعامل معه.

وللمفارقة فإن الزعيم الصوفي الذي ادعى عدم العمل بالسياسة، كان الحليف الأبرز لحزب العدالة والتنمية ومؤسسه عبد الله جول ورجب طيب أردوغان حينما ظفر الحزب بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية عام 2002. رغم أنه ظل مقيمًا في منفاه الاختياري بالولايات المتحدة، ولكن دوره القوي داخل المجتمع ومؤسسات الدولة التركية كان من أهم أسباب نجاح مخطط التمكين الإسلامي أخيرًا في تركيا. وظل التحالف بين كولن وأردوغان قائمًا إلى أن بدأ أردوغان في التخلص من حلفائه واحدًا تلو الآخر، وأتى الدور على كولن عام 2013.

لم يكن الخلاف بين أردوغان وكولن خلافًا عاديًا، إذ إن كولن طمع في لعب دور المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية التركية، حتى ولو فعل ذلك من منفاه، وأدرك أردوغان أن للرجل نفوذ قوي وعشرات العناصر التابعة له في دوائر الإسلاميين والحكومة الإسلامية ومؤسسات الدولة التركية، وهكذا بدأ أردوغان في تمشيط حكومته وحزبه وبرلمانه قبل أن يبدأ في تمشيط مؤسسات الدولة كاملة من نفوذ كولن.

كما نجح أردوغان في وضع منظمة كولن على قوائم الإرهاب في أكثر من منظمة إقليمية، كذا داخل تركيا حيث اعتبرت منظمة كولن منظمة إرهابية، ومع وقوع انقلاب 15 يوليو 2016 الفاشل اتهم أردوغان غريمه كولن بتدبير الانقلاب، وطالب بتسليمه إلى انقرة وعمد إلى فصل الآلاف من الموظفين عبر كافة أجهزة الدولة التركية المختلفة واعتقال الآلاف من الصحفيين والإعلاميين والنشطاء بدعوي انتمائهم لمنظمة كولن.

على ضوء الستار الحديدي الذى أسدله أردوغان على تركيا، صانعًا “جمهورية الصمت العثماني” الجديدة، من الصعب التحقق من مسؤولية كولن في محاولة انقلاب 2016 من عدمها، أو مدى نجاح أردوغان في تمشيط المجتمع والدولة التركية من نفوذ كولن، العجوز الصوفي ذو التاريخ الطويل في التعامل مع المخابرات الأمريكية والقابع في صمت بمنفاه في بنسلفإنيا يراقب تجربة أردوغان ويتحين اللحظة التي يقفز فيها رجالاته على السلطة من اجل لحظة تمكين كولن التي سعى إليها منذ سبعينيات القرن العشرين، وظن أن تلامذته أردوغان وجول قد حقوا ذلك الحلم قبل أن يتحول إلى سراب.

نجم الدين أربكان أبو الإسلام السياسي التركي

يهوى الإسلاميين الأتراك الادعاء –كما ذكرنا– أن تجارب الإسلام السياسي التركي أو العثماني قد بدأت مع صعود أربكان أواخر الستينيات، ثم دخوله العمل السياسي أوائل السبعينيات، ويطلقون عليه أبو الإسلام السياسي التركي.

كانت فترة الستينيات صعبة على الإسلاميين الأتراك، فقد شكلت مرحلة التأسيس الثاني عقب انتكاسة إعدام عدنان مندريس، وللمرة الثانية يلجأ الإسلاميون الأتراك إلى الإسلاميين المصريين كمرجعية لهم، وفى هذه المرة نهل الإسلاميون الأتراك من مؤلفات الإسلاميين في باكستان وإيران إلى جانب المصريين، ليخرج الشكل النهائي للإسلام السياسي التركي مزيجًا من أفكار الإسلاميين المصريين والباكستان والإيرانيين. ونسجل مرة أخرى مفارقة أن الإسلام السياسي التركي الصوفي قد نهل من مراجع سنية أصولية دون أن نرى أي تضاد أو مشكلة عقائدية أو مذهبية كما يدعي بعض المتصوفين المصريين الذين يصرون على التنظير بأن الإسلام السياسي الصوفي لا يمكن أن يختلط بالإسلام السياسي السني أو الشيعي أو السلفي!

نفذ أربكان نفس رؤية كولن، عبر تقديم الإسلام السياسي في وعاء قومي، خلطة الإسلام التركي أو خصوصية الإسلام في تركيا كما أسماها كولن، وتأسس حزب النظام القومي عام 1970 برؤية صوفية أصولية عمادها الطريقة النقشبندية والطريقة السيمانية، وللمفارقة فإن الطريقة المولوية والطريقة البقداشية كانت وقتذاك في صف يسار الوسط، ما يوضح أن الطرق الصوفية التركية انخرطت في السياسة من خلف الستار أوائل السبعينات ولعبت أدوارًا مهمة سواء في أحزاب الأصولية الإسلامية أو اليسارية.

القومية التركية.. إسلامية عثمانية أم علمانية كمالية؟

دخل أربكان مجلس الأمة التركي مستقلًا قبل أن يؤسس حزب النظام القومي من داخل البرلمان، كان يري أن القومية التركية يجب أن تكون إسلامية عثمانية، ما يعني أن الإسلاميين تنافسوا مع العلمانية الكمالية حول هوية القومية التركية، وترجم أفكار المثقفين الإسلاميين وعلى رأسهم نجيب فاضل إلى حزب جديد.

ومع حل الحزب عقب انقلاب عام 1971، سافر أربكان إلى سويسرا لمدة عامين بدعوى العلاج من مشاكل بالقلب قبل أن يعود إلى الأراضي التركية ويؤسس حزب السلامة الوطنية عام 1972، بقوة الطريقة النقشبندية والطريقة النورسية.. شارك في ثلاثة ائتلافات حزبية دون ترؤس الوزارة قبل انقلاب عام 1980 حيث قامت سلطات ما بعد الانقلاب بحل الحزب، وشغل أربكان منصب نائب رئيس الوزراء في الائتلافات الثلاث، وكسب أربكان في حقبة السبعينات فكرة دمج الإسلاميين في العملية الديمقراطية التركية وجعل صعودهم للسلطة أمرًا مقبولًا وأنه لا مشكلة لدي الإسلاميين الأتراك في الائتلاف مع اليمين أو اليسار التركي.

وللمفارقة فإن الأحزاب التركية بتوصيات أمريكية سعت إلى دمج الإسلاميين في الحياة السياسية العامة على ضوء أن نفوذ الطريقة النقشبندية وطريقة النورسية قادر على لجم الأحزاب الماركسية اليسارية، في ظل اتهامات للماركسيين الأتراك بتنفيذ أجندة سوفيتية في تركيا، وهي الاتهامات التي صدرت حتى من بعض اليساريين الاشتراكيين الأتراك بحق الماركسيين.

ما يعني عمليًا أن الأحزاب المدنية التركية في سبعينات القرن العشرين، رأت في الإسلام السياسي صديقًا أليفًا يمكن استخدامه في مواجهة المد الشيوعي السوفيتي، نفس خطأ النخب والحكومات في الدول العربية والإسلامية، الخطأ الذي دفعت كل دولة على حده ثمنه لاحقًا.

وكما فعل الإعلام الدولي الرافض لدور الجيش التركي والدعاية الإخوانية التي ترى في الجيش التركي العقبة الأولى والأخيرة أمام أخونة/أسلمة تركيا، فإن انقلاب 1980 لم يكن إلا حسمًا للجيش التركي لفوضى الشارع الثورية، حيث نهشت الخلافات السياسية الداخلية تركيا بالتزامن مع مظاهرات فوضوية، في زمن كانت تركيا تخوض فيه حربًا في قبرص وكان يفترض للجبهة الداخلية التركية أن تهدأ حتى لا تؤثر على معنويات الجيش التركي في حربه داخل الجزيرة القبرصية.

أسس أربكان حزبه الثالث حزب الرفاه عام 1987، ومع مجيء حقبة تسعينات القرن العشرين بدأ حزب الرفاه وحزب الفضيلة في تحقيق مكاسب تاريخية في الانتخابات البلدية، وللمفارقة فإن من أهم رجالات أربكان في تلك الحقبة كان ايدين مندريس (1946 – 2011) ابن عندنا مندريس، حيث عمل مع أربكان في سبعينات القرن العشرين رغم أنه انتسب لحزب الديمقراطية، ولكنه انضم لحزب الرفاه ودخل البرلمان على قوائمه عام 1995 في ذروة صعود حزب وشخص أربكان.

وزارة أربكان

وحينما عقدت انتخابات 24 ديسمبر 1995 وحصد نجم الدين أربكان عبر حزب الرفاه أعلى الأصوات متفوقًا على حزب الطريق القويم لرئيسة الوزراء تانسو تشيلر، ومن أجل أن تتجنب النخب السياسية فكرة تنصيب حكومة إسلامية، لجأ الرئيس سليمان ديميريل إلى تكليف رئيس الوزراء مسعود يلماز رئيس حزب الوطن الأم لتشكيل الوزارة التركية، فلم ينجح يلماز في تأليف الوزارة إلا في 6 مارس 1996 في ائتلاف هش مع حزب الطريق القويم، ولم تصمد الوزارة سريعًا فقدم استقالته واضطر الرئيس ديميريل إلى تكليف أربكان بالوزارة في 7 يونيو 1996 حيث دخل الأخير مقر رئاسة الوزارة التركية بديلًا عن يلماز في 28 يونيو 1996.

للمفارقة فإن البعض يعيب على أربكان أنه متشدد دينيًا عكس أردوغان، ولكن في واقع الأمر تلك المقارنة كانت بندًا من بنود جهاز الدعاية الخاص بحزب أردوغان، والأخير الذي حكم تركيا عمليًا منذ عام 2002 حتى لحظة كتابة تلك السطور، 18 عامًا، لم نر في حكوماته المتعاقبة وفريقه الرئاسي والوزاري والبرلماني والحزبي والانتخابي امرأة واحدة بارزة، بينما أربكان شكّل وزارته بالائتلاف مع حزب الطريق القويم، حيث أصبحت رئيسة الحزب تانسو تشيلر نائبة لرئيس الوزراء ووزيرة خارجية وزارة أربكان الإسلامية.

وزارة أربكان كانت تتويجًا لرحلة استمرت ثلاثة عقود من الزمان، وعين أربكان تلميذه النجيب عبد الله جول وزير الدولة للشؤون الخارجية، فكان جول هو مهندس تأسيس تركيا الأربكانية لـ مجموعة الثماني الاقتصادية الإسلامية، التي ضمت مصر وتركيا وإيران وإندونيسيا ونيجيريا وماليزيا وبنجلاديش وباكستان عام 1997.

وعلى ضوء فشل المعارضة المدنية في خلخلة حكومة أربكان، تولى الجيش التركي ومؤسسات الدولة التركية مهمة المعارضة المدنية عبر تضييق الخناق على أربكان وأركان وزارته، حيث فرمل تلك المرحلة ما يوصف بالانقلاب الحداثي أو انقلاب ما بعد الحداثة، حيث تمكن الجيش دون أن يخرج من ثكناته في إسقاط الائتلاف الإسلامي الحاكم عام 1997 واستقالة أربكان وحل حزبي الرفاه والفضيلة عبر قرار من المحكمة الدستورية التركية برئاسة أحمد نجدت سيزر، وتوقيف بعض قادة الإسلام السياسي التركي، ومنع بعض رجالات الإسلام السياسي من العمل السياسي خمس سنوات على رأسهم أربكان.

كما تم طرد السفير الإيراني من تركيا عام 1997 بتهمة التواصل مع الإسلاميين الأتراك دون تسمية الأشخاص أو الفصيل الحزبي الذي تواصل معه، ولم يكن ذلك بعيدًا عن حقيقة أن نجم الدين أربكان تواصل مرارًا مع الحكومة الإسلامية في طهران.

صعود أردوغان

عقب استقالة أربكان في 30 يونيو 1997، كان الغرب بحاجة إلى بديل إسلامي تركي سريعًا، على ضوء المتغيرات المقبلة في الشرق الأوسط والصراع الغربي مع القوى الدولية الصاعدة مثل روسيا والصين. وفى هذا السياق خرج من حزب الرفاه عبد الله جول ورجب طيب أردوغان بمشروع حزب جديد، وطرحوا أنفسهم باعتبارهم البديل المناسب عن نهج أربكان والوريث المناسب له.

الجهاز الإعلامي لمشروع جول/أردوغان كان متفوقًا للغاية على باقي الأحزاب الأخرى حتى الإسلامية، ويعود ذلك إلى أن النخبة التركية حتى مع تدخل الجيش ضد أربكان كانت ضعيفة للغاية وأفلست وعقمت عن تقديم البديل السياسي المناسب عن الإسلام السياسي.

استقطب جول/أردوغان طبقة “المثقفين الإسلاميين”، وصاغوا مشروع ومصطلح “العثمانيين الجدد” حيث كان أول من تحدث بهذا المصطلح وصاغ مشروعه الإسلامي هو احمد داود أوغلو الذي أصبح منظر الحقبة الأردوغانية.

الجهاز الإعلامي لمشروع جول/أردوغان نجح في بث دعاية أن هناك صراعًا بين الجناح المحافظ في الجماعات الإسلامية التركية يمثله أربكان ونهجه، بينما أردوغان يمثل التيار الإصلاحي الإسلامي، وأن حزب العدالة والتنمية ليس حزبًا إسلاميًا بل إصلاحيًا علمانيًا ديمقراطيًا.

ولم يستقطب الحزب طبقة المثقفين الإسلاميين فحسب، ولكن أيضا كان المثقفون اليساريون والليبراليون قد أدركوا أن اليسار التركي والليبراليين الأتراك وحتى اليمين الكمالي قد أصبح سفينة غارقة يجب القفز منها، وهكذا كان التنظير لـ “الحل الإسلامي” وتجربة التيار الإسلامي بعد أن فشل القوميون الكماليون والماركسيون واليساريون ويسار الوسط ويمين الوسط هو مهمة كوكبة من المثقفين والنخب اليسارية والليبرالية التي كان من ضمنهم أسماء لم تحصل على عضوية حزب العدالة والتنمية فحسب بل كانت في لائحة المؤسسين وأصحاب مناصب في الصف الأول من الحزب أيضًا.

أدرك جول/أردوغان بعد إعدام مندريس وثورات انحاز لها الجيش أعوام 1960 و1971 و1980 وإجبار أربكان على التنحي وأنه يجب ممارسة التقية وادعاء الليبرالية والعلمانية بشكل مكثف إلى أن تأتي لحظة التمكين، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية تراهن على أسلمة تركيا في مطلع القرن الحادي والعشرين من أجل تنفيذ أجندة غربية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطي والشرق الأدنى، والاشتباك عبر جبهات البلقان والقوقاز وداخل الصين وروسيا بل وإيران إذا ما اقتضى الأمر.

واذا كان هناك تساؤل حول هوية القومية التركية، هل هي علمانية كمالية أم إسلامية عثمانية، فإن سنوات ما بعد أربكان شهدت تحولًا حاسمًا لدى القوميين الأتراك من العلمانية الكمالية الجمهورية إلى الإسلامية العثمانية الإخوانية، بالأحرى تم أسلمة القومية التركية وتهشيمها من التيار الكمالي الجمهوري، كما أن بعض الساسة الأكراد انحازوا لمشروع الإسلام السياسي بديلًا عن فكرة الوطن القومي للأكراد أو كردستان الكبرى، وهكذا فإن العثمانيين الجدد نجحوا في مصادرة القومية التركية وكذا بعض القوميين الأكراد لصالح مشروع الإسلام السياسي التركي.

لاحقًا اتضح زيف ادعاء أن أردوغان كان إصلاحيا مقارنة بـ أربكان المحافظ، وان الفارق بين المحافظين والإصلاحيين في التيار الإسلامي أشبه بالفارق بين اليمين واليسار أو الليكود والعمل في الأحزاب الإسرائيلية، بمعني أدق: لا فارق يذكر سوى الخلاف على نفس الكعكة لتنفيذ نفس الأجندة.

صياغة مشروع العثمانيين الجدد

من بين طابور من المنظرين والأكاديميين، اختار أردوغان البروفيسور احمد داود أوغلو ليصبح مستشاره الخاص، قبل أن يتولى وزارة الخارجية (2009 – 2014) ثم رئاسة الوزراء ورئاسة حزب العدالة والتنمية (2014 – 2016) تحت سيطرة أردوغان.

يعتبر داود أوغلو هو كاتب وصانع أغلب أفكار أردوغان عن تسمية المشروع القومي التركي والإسلامي التركي بـ العثمانيين الجدد، وأنه يجب على المشروع الإقليمي التركي سواء كان قوميًا أو إسلاميًا أن يتحرك بهوية وصبغة عثمانية وأن يطالب باسترداد ممتلكات الدولة العثمانية لا المطالبة بوضع إقليمي جديد، أي أن أنقرة صاحبة حق تسعى إلى استرداده وليست صاحبة مشروع إقليمي تحاول عبره منافسة مصر وإيران وغيرها.

مشروع وأفكار أردوغان ما هي إلا بنات أفكار داود أوغلو، من صناعة إسلام نيوليبرالي تركي يصبح جناحًا إسلاميًا للعولمة الأمريكية والنظام العالمي الجديد وشبكات المصالح الغربية، ويعتبر داود أوغلو هو من صاغ مصطلح العثمانيين الجدد وروج له، وهو من روج لفكرة استغلال تاريخ عام 2023 لإعلان عودة الدولة العثمانية أو تأسيس “الخلافة العثمانية الثانية”، وللمفارقة فإن داود أوغلو كان يروج لهذا المصطلح وهذا التاريخ وتلك الأفكار في تسعينات القرن العشرين سواء في حقبة وزارة أربكان أو ما بعدها، وذلك في لقاءاته مع الأكاديميين الإسلاميين وحتى غير الإسلاميين في المناسبات الدولية والإقليمية.

لماذا حصد أربكان وأردوغان الأغلبية البرلمانية؟

عقب استقالة أربكان، عاد مسعود يلماز لتشكيل الوزارة مرة أخرى، فكانت وزارته الثالثة والأخيرة ما بين عامي 1997 و1999 حيث قدم استقالته في يناير 1999 قبل عقد الانتخابات البرلمانية التركية في أبريل 1999 في ظل وزارة بولنت اجاويد رئيس حزب اليسار الديموقراطي.

عقدت الانتخابات البرلمانية التركية بمشاركة إسلامية باهتة دون زعامة تذكر على ضوء تأثر الإسلاميين بقرارات المحكمة الدستورية العليا عقب تفكيك حزبي الفضيلة والرفاه، ومع ذلك فإن حزب الفضيلة الوريث العملي لحزب الرفاه ونهج أربكان حصد 111 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا، ما يعني أن المزاج الانتخابي للشعب التركي ما بين مرحلتي أربكان وأردوغان كان جاهزًا لمشروع جول/أردوغان متى تم الإعلان عنه ومتى اكتمل، وبالفعل شارك حزب العدالة والتنمية في انتخابات 3 نوفمبر 2002 ليحصد 304 مقعدًا دفعة واحدة.

وللمفارقة فإن أربكان عقب حل حزب الرفاه قد أسس حزب الفضيلة من الباطن دون أن يمارس السياسة أو الحياة الحزبية التزامًا بقرار المحكمة الدستورية العليا، وفى عام 2001 حلت المحكمة الدستورية العليا حزب الفضيلة فأسس أربكان حزب السعادة من الباطن أيضًا، والمفارقة هنا أن أردوغان قد انضم إلى حزب السعادة أولا قبل أن يقرر ترك حزب أستاذه والانضمام إلى مشروع العثمانيين الجدد، حيث كان عبد الله جول هو الرجل الأول في هذا المشروع قبل أن ينضم إليهم رجب طيب أردوغان.

ولكن لماذا جرى هذا التحول في مزاج الناخب التركي، حتى ينتخب الإسلاميين منذ انتخابات 1995 حتى انتخابات 2018 بنسب متفاوتة وإن ظلوا الأغلبية في برلمانات تركيا؟

في حقبة رئيس الوزراء توركوت أوزال رئيس حزب الوطن الأم، والتي استمرت ما بين عامي 1983 و1989، قام أوزال بإصلاحات اقتصادية ليبرالية ساحقة، تميزت بالانفتاح الاقتصادي على الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد، ما ساهم في إثراء الطبقة الوسطي، ومن اهم مكونات تلك الطبقة في تركيا مجتمع إسطنبول المحافظ والقرويين في ريف الأناضول، الذين عانوا التهميش في سنوات الدولة العثمانية قبل سنوات الجمهورية التركية.

هذه المكاسب المعيشية والاقتصادية وزحف سكان إسطنبول وريف الأناضول إلى مجتمع أنقرة العلماني (الليبرالي والتقدمي) ، تحول إلى حراك مجتمعي يبحث عن دور سياسي بعد سنوات التهميش، كعادة هذه الموجات من الهجرة والرغبة في ادعاء الترقي الطبقي والوجاهة الاجتماعية، والتي دائما ما تنقلب إلى حالة من نوستالجيا/حنين العودة للجذور الإسلامية المحافظة، وأن المال لم يهدر التدين وهنا كان الحل هو الحل الإسلامي في صناديق الاقتراع، فكان أردوغان حاضرًا بخطاب علماني يدرك الجميع أنه إسلامي خالص.

الطبقة الوسطى الجديدة، أصحاب الإسلام “المودرن” أو الإسلام النيوليبرالي، وهي الموجة ذاتها التي رأيناها بين الإسلاميين في مصر أوائل القرن الحادي والعشرين، لعبت الدور الرئيسي في التصويت لأربكان ثم أردوغان طيلة ربع قرن من الزمان.

كما أن النخب والطبقة العلمانية التركية قد ارتبطت بمؤسسات الدولة الفاسدة والمشروع العلماني الحكومي الكمالي الفاشل، ما أدى إلى تلطخ سمعة الليبراليين الأتراك واليساريين الأتراك رأسي حربة العلمانية التركية وأيضًا باقي مكونات النخب العلمانية التركية الذين فشلوا في تقديم تجربة حكم أو حزب أو دولة ناجحة، وبدا واضحًا للشعب التركي أن العلمانيين الأتراك جل ما يفعلونه هو شبكة من المصالح المشتركة باسم العلمانية ومنع النشاط الديني.

إن التطرف في العلماني ينتج التطرف الديني، لذا كان منطقيًا أن يرحب الشعب التركي بمقترحات أردوغان الخاصة بإنهاء حظر الحجاب وحرية المرأة التركية في ارتداء الحجاب من عدمه وحرية التعبير عن الانتماء الديني وإقامة الشعائر الدينية المسلمة، هكذا ربح أردوغان وحزبه الشعب التركي حتى الفئات غير المتدينة أو حتى غير المسلمين الذين اعترفوا بعد قرابة ثمانية عقود من العلمانية الكمالية أن تلك القرارات لم تعد لائقة بالحرية والديمقراطية في القرن الحادي والعشرين.

استغل الإسلاميون الخناق العلماني للادعاء بأنهم ديمقراطيين لا يريدون إلا حرية الشعب في ممارسة العقيدة فحسب، كما أن التيار الجمهوري الكمالي لعب لعبة سياسية حمقاء، فقد راهن دنيز بايكال في حزب الشعب أن أردوغان لن يستطيع أن يمكث في السلطة أكثر من شهرين بسبب الخلافات بين الإسلاميين، وقرروا التساهل في انتخابات 2002 لصالح حرق الإسلاميين، أي أن يشكلوا الوزارة شهرين وتسقط ويسقط المشروع الإسلامي في تركيا ويصبح حزب الشعب الكمالي الأتاتوركي هو الاختيار الوحيد، واتضح لاحقًا كارثية المناورة الكمالية، فإن من راهنوا على بقائه في السلطة شهرين فحسب يقترب من عقدين في السلطة غير فيهم تركيا الكمالية بنسبة 100 %.

حقبة التعايش بين جول وأردوغان

قبل أن يؤسس جول حزب العدالة والتنمية، وفى مشهده الأخير تحت عباءة أربكان، تنافس مع قوطان على رئاسة حزب الفضيلة، ولكن أربكان دعم قوطان، فخرج جول نهائيًا من العباءة الأربكانية ولحقه أردوغان. ونظرًا لوجود حكم قضائي على أردوغان، فإنه حينما فاز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مقاعد البرلمان عام 2002، لم يكن ممكنًا لأردوغان تشكيل الوزارة التركية، وهكذا شكل عبد الله جول ثالث وزارة إسلامية في تاريخ تركيا بعد عدنان مندريس ونجم الدين أربكان.

خلال وزارة جول (18 نوفمبر 2002 – 14 مارس 2003)، زار الأخير القاهرة وطلب دعم الرئيس المصري محمد حسني مبارك لطلب تركيا الانضمام إلى جامعة الدول العربية، واختار يشار ياكش سفير تركيا الأسبق في مصر والسعودية وزيرًا للخارجية من أجل دعم توجه تركيا للعالم العربي ومحيطها الشرقي.

يمكن القول إن الفارق بين جول وأردوغان ظهر منذ اليوم الأول، صحيح أن كلاهما ينفذ بنك أهداف وأجندة الإسلاميين الأتراك أو العثمانيين الجدد، ولكن اختلفت الوسائل، بينما جول يسعى إلى دولة إقليمية عصرية إسلامية، فإن أطماع أردوغان الشخصية جعلته لا يطمع في إعادة مجد الدولة العثمانية في رداء عصري ولكنه طمع في إحياء كرسي السلطان العثماني وارتداء عباءة خليفة المسلمين!، ما أدى إلى صدامات بين أردوغان وزعماء الشرق الأوسط واحدًا تلو الآخر.

بينما جول حتى يومه الأخير في الوزارة ثم الرئاسة التركية ظل على علاقة جيدة مع الرئيس مبارك ومع حكام الخليج العربي، ولقد حاول أردوغان السير على خطوات جول في السياسة الخارجية، حيث وطد علاقته بالرئيس مبارك وطلب دعم مصر فيما يتعلق بمنع الولايات المتحدة من إعلان دولة كردية شمال العراق، وكانت الرؤية المصرية التركية مشتركة في هذا المضمار على ضوء رفض مصر لتفكيك العراق وإنشاء دويلات عرقية ودينية.

كما أن أردوغان طلب من مصر عدم ترسيم الحدود البحرية مع اليونان وربطه بحل الخلاف التركي اليوناني، وقبل الرئيس مبارك بهذا الاتفاق في زمن ما قبل الاكتشافات الغازية في شرق المتوسط، حيث كان تعليق ترسيم الحدود البحرية المصرية اليونانية لا يشكل عائقًا أو خسارة اقتصادية كما جرى في سنوات ما بعد مبارك.

أردوغان والغزو الأمريكي للعراق

رغم أن أردوغان لم يكن رئيسًا للوزراء، إلا أن الرئيس الأمريكي بوش الابن استقبل أردوغان في البيت الأبيض فور حسم الإسلاميين لانتخابات 3 نوفمبر 2002 البرلمانية، دون أن يملك أردوغان منصبًا باستثناء أنه رئيس حزب العدالة والتنمية، حيث جرى الاتفاق على الدور التركي في الغزو الأمريكي للعراق التي بدأت في 19 مارس 2003.

جرى الاتفاق على أن تعلن أنقرة رفضها للزحف الأمريكي من جنوب تركيا إلى شمال العراق، من اجل أن يكسب الإسلاميون شعبية في العالم العربي والإسلامي، ولكن لا أحد سوف ينتبه إلى حقيقة أن تركيا فتحت كافة قواعدها العسكرية للجيش الأمريكي لتقديم الدعم اللوجستي والجوي للغزو الأمريكي للعراق، كما أن المجال الجوي التركي تم تسليمه للجيش الأمريكي ما بين 19 مارس 2003 واستسلام بغداد في 9 أبريل 2003 وظل المجال الجوي التركي تحت إمرة البنتاجون – وزارة الدفاع الأمريكية – حتى اعلن بوش الابن في 1 مايو 2003 انتهاء عملية غزو العراق.

وخلال تلك الفترة شن الطيران الحربي الأمريكي عشرات الغارات الجوية يوميًا، فلم يتم إخضاع شمال ووسط العراق جويًا إلا عبر المجال الجوي التركي. ومكافأة لأردوغان، تحركت السفارة الامريكية في انقرة وسرعت عملية انهاء حظر ترشحه للبرلمان، وقبل خمسة أيام فحسب من بدء الغزو الأمريكي للعراق وتحديدًا يوم 14 مارس 2003 كان أردوغان يشكل أولى وزاراته، ويضع بترتيبات أمريكية عبد الله جول في مقعد الرجل الثاني، نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للخارجية.

ورغم أن أردوغان تفاجأ بتداعيات الغزو الأمريكي للعراق على الأمن القومي التركي وتحديدًا الانفصاليين الكرد الأتراك الذين اتخذوا من شمال العراق مركزًا لعملياتهم، إضافة إلى رعاية بعض الدوائر الأمريكية لفكرة قيام دولة كردية شمال العراق، ما يعني سعي تلك الدولة الكردية لاحقًا إلى ضم جنوب تركيا الكردي أو حتى إقامة كونفدرالية كردية، ولكن بطبيعة الحال واصل أردوغان والإسلاميين الأتراك التنسيق مع الغرب.

طبيعة الخلاف التركي مع إسرائيل وإيران

إن الغرب حينما صنع الإسلام السياسي في القرن الثامن عشر، لم يكن بطبيعة الحال يريد نصرة المشروع الإسلامي، بل أراد مصادرته لصالح الأجندة الغربية، وان يكون للغرب فيلق داخل دين الإسلام، ينفذ بنك أهداف الاستعمار من داخل مجتمعات الشرق الأوسط.

إن استراتيجية فرق تسد التي ابتكرتها بريطانيا تلعب دور رئيس حتى اليوم في تعامل الغرب مع الشرق، لذا ابتكر الغرب الصراع العربي الإسرائيلي، من اجل أن تقوم الدولة اليهودية بدور الجماعات الوظيفية في حماية وتنفيذ الأهداف الغربية، ومن أجل إنهاك دول الشرق الأوسط.

ولاحقًا ابتكر الغرب الصراع العربي الإيراني، ثم الصراع العربي التركي، ورغم الخلافات بين الغرب وإيران في بعض الملفات بل حتى مع تركيا وإسرائيل في بعض الملفات، إلا انه وفى نهاية المطاف فإن تركيا وإيران وإسرائيل ليس بينهم صراع يمكن أن يصنف باعتباره بين المقاومة والاستعمار أو حتى الرؤية المباشرة بين الخير والشر، ولكن ثلاثتهم يتنافس على تنفيذ الأجندة الغربية أو حتى الصهيونية ومحاولة إرضاء الغرب وكسب اعترافه بالزعامة الإقليمية على الشرق الأوسط.

لذا لم يكن غريبًا أن تسعى إيران إلى الوفاق النووي مع أوروبا وأمريكا، أو أن يسعى أردوغان لعلاقات قوية مع الرؤساء الأمريكان الثلاث الذين عاصرهم حتى اليوم، بوش الابن وأوباما وترامب، ففي نهاية المطاف تدرك تلك الدول الوظيفية أن استمرارها مرهون بالتوافق الغربي بين أمريكا وأوروبا على بقاء تلك الدول من أجل الدور الوظيفي الخاص بإنتاج الأهداف الغربية في الشرق الأوسط.

لذا إذا فشلت إسرائيل في تدمير سوريا، فإن تركيا رجب طيب أردوغان كانت حاضرة في سنوات الربيع العربي والحرب الأهلية السورية، إذا فشلت إسرائيل في قطع المياه عن العراق وسوريا، فإن العثمانيين الجدد حاضرين بسلسلة من السدود جعلت العراقيين يتمشون سيرًا على الأقدام في أرض نهري دجلة والفرات. فشلت إيران في تفجير طرابلس اللبنانية فسارع الإسلاميون الأتراك إلى الشمال اللبناني، وما عجزت إيران عن فعله في مصر وليبيا كانت تركيا تقوم به في سنوات الربيع العربي.

أردوغان.. سنوات التمكين

كما فعل مندريس وأربكان وجول، لم يكشف أردوغان على الوجه الإسلامي لحكومته وحزبه، وذلك في الولاية الأولى (2003 – 2007) فلم يكن هناك مطالب إسلامية قط لحكومته، أو إصلاحات أو قرارات محافظة، بل وتعمد أردوغان وحزبه ورجالاته ووزراؤه “الحياد” التام في أي نقاش أو نزاع فكري أو مجتمعي أو حتى قضائي ما بين العلمانيين والإسلاميين، وتفرغ أردوغان للملف الاقتصادي من اجل تحسين حياة الأتراك وضرب الحجة العلمانية بعدم قدرة الإسلاميين على إدارة الدولة خاصة الأزمة الاقتصادية.

وبعد أن ذاق الأتراك أخيرا نعمة الاستقرار الاقتصادي ورغد الاستقرار السياسي، بل وتوجه أردوغان إلى بروكسل مقر الاتحاد الأوروبي وعقد اتفاقًا تاريخيًا لبدء مباحثات انضمام أنقرة إلى أوروبا عام 2004، استقبله الأتراك بمظاهرات التأييد وأطلق عليه شعبيًا لقب “فاتح الاتحاد الأوروبي”.

كرس أردوغان وقته لتوسيع القاعدة الانتخابية وتعزيز شعبيته ولم يكترث لأي إشكالية إسلامية أو إخوانية حتى يعزز أسطورة السياسي الإصلاحي المحافظ ذي التوجه الاقتصادي النيوليبرالي المنفتح على الغرب والساعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والمنسجم مع إسرائيل والداعم للشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة وكتالوج الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط في سنوات بوش الابن.

كانت خطة أردوغان البرجماتية هو الانتصار للشعب وبالشعب أولًا، وحينما يتذوق الشعب الاستقرار على يديه، وقتذاك يمكنه أن يسفر عن وجه الإسلام السياسي ومشروع العثمانيين الجدد، وهو ما حدث بالفعل لاحقًا.

إفلاس المعارضة يعزز الصعود الإسلامي

وعلى ضوء إفلاس المعارضة والعلمانيين الأتراك، انتقل دور المعارضة المدنية إلى مؤسسات الدولة التركية، سواء الجيش التركي أو المحكمة الدستورية العليا أو الرئاسة التركية، وللمفارقة فإن رئيس المحكمة الدستورية الذي حل حزب أربكان وطارده القاضي احمد نجدت سيزر، قد أصبح رئيسًا لتركيا في 16 مايو 2000، وهو الذي كلف بحسب الدستور جول ثم أردوغان بتأليف الوزارة التركية.

ولكن مع اقتراب نهاية ولاية سيزر عام 2007، بدأت المناقشات حول تسمية الرئيس المقبل، وقد دعم حزب العدالة والتنمية ترشيح رئيس الوزراء أردوغان للمنصب، حيث كان الأخير يسعى إلى تنفيذ رؤيته بتحويل تركيا من جمهورية برلمانية إلى النظام الرئاسي وإلغاء منصب رئيس الوزراء وتحويل صلاحيات رئيس الوزراء وبعض صلاحيات الجيش والمحكمة الدستورية العليا إلى رئيس الجمهورية وإلغاء نص عدم انتماء رئيس الجمهورية إلى حزب سياسي، وهو المشروع الذى فشل أردوغان في تحقيقه عام 2007 حيث كانت موجة الرفض لترشيحه عالية، ولكنه نجح في ذلك المخطط بعد 11 عامًا، عقب انتخابات الرئاسة والبرلمان عام 2018.

ولكن رفض مؤسسات الدولة التركية والمعارضة العلمانية لترشيح أردوغان، حقق للأخير هدفًا آخر، تمثل في التخلص من عبد الله جول، فالدستور التركي وقتذاك كان ينص على أن الرئيس يجب أن يقدم استقالته من الانتماء الحزبي وان يصبح مستقلًا، وهكذا كان انتخاب جول للرئاسة وتوليه المنصب في 28 أغسطس 2007 هو مفتاح استقالة جول من حزب العدالة والتنمية.

وحينما انتهت ولايته في 28 أغسطس 2014 وسلم الرئاسة إلى أردوغان، كان مخططًا أن يعود جول إلى الحزب الذي أسسه، من أجل أن يترأس الوزارة، أي أن يتبادل المقاعد مع أردوغان، ولكن الأخير بصفته رئيسًا للحزب رفض قبول عضوية جول، وغدر برفيق العمر، وعين ساعده الأيمن احمد داود أوغلو رئيسًا شكليًا للحزب.

حاول الجيش التركي عرقلة ترشيح جول للرئاسة عام 2007، على ضوء أن الأخير كان وزيرًا في حكومة إسلامية –وزارة أربكان– تم حلها بحكم المحكمة الدستورية العليا بمخالفتها الدستور، وغاب رئيس أركان الجيش التركي عن مؤتمر تنصيب جول رئيسًا للجمهورية في اعتراض علني صارخ على رفض المؤسسة العسكرية لتولى جول رئاسة الدولة.

وفى 22 يوليو 2007 حسم أردوغان الانتخابات البرلمانية وظفر بالولاية الثانية، وبدأ في إشهار الوجه الإسلامي تدريجيًا وليس بشكل مباشر.

لماذا توجه أردوغان إلى الاتحاد الأوروبي؟

رغم أن العثمانيين الجدد ينظرون إلى عضوية الاتحاد الأوروبي باعتباره بندًا مهمًا من مشروع تركيا الإقليمي، على ضوء حقيقة أن تركيا ذات كثافة سكانية عالية مقارنة بأغلب دول الاتحاد الأوروبي، كما أن أسواق الدول الأوروبية متعطشة لمتوسط أعمار الأتراك وللأيدي العاملة غير الموجودة في أوروبا والمتوفرة في أوروبا.

وأيضًا فإن ضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سوف يؤدى إلى وحدة ثقافية بين تركيا وأتراك الدول الأوروبية، الحاصل أنه عقب الحرب العالمية الثانية، قرر الغرب كسر الروح القومية ومناهضة الدولة الوطنية والقيم القومية وذلك عبر الترويج للدولة متعددة القوميات (كوزموبوليتية) Cosmopolitanism ومجتمع الكوزموبوليتانيون، في إطار إنهاء فكرة الدولة ذات السيادة وتسيد نموذج الدويلات الفيدراليات لصالح سيطرة شبكات المصالح الغربية والرأسمالية الدولية على العالم.

وفى هذا المضمار، وجد الغرب أن توطين الجاليات التركية في الدول الأوروبية خاصة شرق ووسط أوروبا، سوف يدعم فكرة كسر الروح القومية والمسيحية الأوروبية، تمامًا كما استخدم الجاليات المغاربية –تونس والمغرب والجزائر وليبيا– في جنوب وغرب أوروبا للهدف ذاته.

وكانت النتيجة أن تركيا أصبح لها طابور خامس ديموجرافي في أغلب الدول الأوروبية، وذو سيطرة على الجاليات الشرقية التي رغم انتمائها الثقافي العربي ولكنها ارتضت بانتماء إسلامي صنع على يد الإسلام السياسي الموالي للغرب، فأصبحت الجاليات الشرقية في أوروبا وأمريكا دمية في يد الإسلام السياسي وأصبح نجوم الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا وأمريكا صناعة إخوانية خالصة بدعم غربي.

وحينما قرر العثمانيون الجدد التمدد أوروبيا، كان أتراك ومغاربة أوروبا ظهير شعبي تواق ينتظر الخليفة العثماني، حتى لو كان المهاجر الشرقي هنالك ليس متدينًا، إلا انه مارس التدين السياسي متماهيًا مع مشروع العثمانيين الجدد. الغرب تفهم أن الإسلاميين الأتراك سوف يصنعون انقلابًا ديموجرافيًا حال انضمامهم للاتحاد الأوروبي وهكذا تم المماطلة لقبول الطلب التركي.

ولكن أردوغان واصل السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي القاري، ليس أملًا في كل ما سبق فحسب، ولكن لأن مطالب الاتحاد الموجهة إلى أنقرة فيما يتعلق بالإصلاح الدستوري والبرلماني والاقتصادي، كان في واقع الأمر تجريد الجيش التركي من تحصينه الدستوري ومن دوره الدستوري في حماية علمانية الدولة، ومع الاستفتاء على التعديل الدستوري في 12 سبتمبر 2010، انتهت وصاية المؤسسة العسكرية التركية على الحياة العامة التركية وتحرر أردوغان من فيتو الجيش فأظهر الوجه الإخواني الخالص، الانقلاب على الصيغة التركية التقليدية والانتقال إلى مرحلة التمكين بعد مرحلة التقية والوصول إلى صيغة الحزب الواحد والشخص الواحد.

وللمفارقة فإن الربيع العربي اندلع خلال ديسمبر 2010 في تونس، عقب ثلاثة أشهر فحسب من كسر الإسلاميين لدور الجيش في تركيا، ومع اندلاع حراك 25 يناير 2011 في مصر، لم يكن ممكنًا على أردوغان أن يتخلف أكثر من ذلك عن الركب الإسلامي العلني المباشر، فأسفر عن الوجه الإخواني الإسلامي الخالص وخلع رداء الليبرالي المحافظ.

الصدام مع المؤسسة العسكرية

الإصلاحات التي طلبها الاتحاد الأوروبي من تركيا كانت في واقع الأمر تقليمًا لدور الجيش التركي وضرب دوره التاريخي في منع صعود الإسلام السياسي للحكم والحفاظ على علمانية الدولة، أيضا تقليم أظافر المحكمة الدستورية العليا حيال أي صعود ديمقراطي أو انتخابي للإسلاميين، هكذا استغل أردوغان الطمع الشعبي وحتى الرسمي في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وعبر إصلاحات كان في واقع الأمر يطوق الجيش والقضاء بما يمنعهم من تكرار تجارب إسقاط الحكم الإسلامي كما حصل في عصري عدنان مندريس ونجم الدين أربكان.

الجيش التركي لم يصمت، وجرت محاولتين للانقلاب عام 2004، والثالثة عام 2009 والرابعة الأكثر شهرة في 15 يوليو 2016، ورد أردوغان بفتح باب التحقيق في هذه المحاولات بالإضافة إلى انقلاب عام 1980، والتحقيق في الانقلاب السري عام 1993 حينما أفشل الجيش اتفاقًا للسلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني حيث نص الاتفاق على إعطاء أكراد تركيا لبعض الحريات، حيث شمل الانقلاب السري تسميم الرئيس توركوت اوزال وتصفية وزير المالية الأسبق عدنان قهوجي والقائد العام للدرك التركي أشرف بتليس.

كما دعمت المؤسسة العسكرية انتفاضة ميدان تقسيم أو حديقة جازي أو الانتفاضة الشعبية التركية (27 مايو 2013 – 20 أغسطس 2013)، ومع ذلك استطاع أردوغان أن يظفر بالولاية الثالثة في الانتخابات البرلمانية 12 يونيو 2011، وانتقل أردوغان إلى مقعد رئيس الجمهورية ليظفر بالولاية الرابعة في 10 أغسطس 2014.

أردوغان وأوباما.. سبع سنوات ذهبية

منذ سنوات إدارة بيل كلنتون، يعرف في واشنطن أن الإدارة الأمريكية يكون لها صديق مخلص في الشرق الأوسط، وفى سنوات كلينتون كان الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات هم الأكثر قربًا للرئيس كلنتون، وفى سنوات بوش الابن كان العاهل الأردني عبد الله الثاني هو الأقرب للرئيس جورج دابليو بوش.

أما في سنوات الرئيس باراك أوباما، فقد تغير الأمر من الوطن العربي إلى الدائرة التركية، حيث كان رئيس الوزراء –ثم الرئيس– رجب طيب أردوغان هو الأقرب لأوباما، طيلة سبع سنوات قبل أن يقرر أوباما في عامه الثامن والأخير –عام 2016 – التباعد عن إدارة أنقرة بعد أن انتهى الغرض منها وفقًا لحسابات إدارة أوباما.

أول زيارة دولة لأوباما خارج أمريكا – لو تم استثناء قمة الثمانية في العاصمة البريطانية لندن، كانت زيارته إلى تركيا في أبريل 2009 لإلقاء خطاب في البرلمان التركي إلى العالم الإسلامي، والحاصل أن خطاب أوباما في أنقرة فشل في إحداث الصدى المطلوب أمريكيا، فقرر أوباما الذهاب إلى القاهرة ومن قلب الجامعة المصرية لإلقاء خطاب إلى العالم العربي والإسلامي.

ربما فات على الكثيرين ممن يدققون اليوم في خطاب أوباما بالقاهرة أنه سبقه خطاب فاشل لم يسمعه أحد في أنقرة، ومع ذلك كانت القاهرة مجرد جسر لأوباما بينما أنقرة كانت الخيار والحليف الاستراتيجي زهاء سبع سنوات.

وفى السنوات السبع ما بين عامي 2009 و2016، كرس أردوغان كل نفوذ ورصيد الإسلام السياسي وتجربته في خدمة رؤية أوباما للشرق الأوسط، مقابل تسيد تركيا لهذا المشرق، الشد والجذب مع إيران، محاولة صناعة حائط صد بوجه روسيا، تدريب المجاهدين في تركيا وإرسالهم إلى العراق واليمن وسوريا وليبيا، تنفيذ الانتقام الأمريكي من مصر عقب ثورة 30 يونيو 2013، تدمير سوريا وصناعة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، صناعة مظلومية مسلمي الروهينجا ومسلمي الايجور وتدريب إرهابيين لصناعة تنظيم “تركستان الصين” وإرسالهم لبدء عمليات إرهابية في غرب الصين.

لكن سوء إدارة أردوغان لهذه الملفات جعل إدارة أوباما تراه كارتًا محروقًا وظهر ذلك في سلسلة حوارات في مطلع عام 2016 حملت عنوان “عقيدة أوباما”، ودرست دوائر الرئيس الأمريكي أنه حال استمرار رجالات إدارته في حكومة هيلاري كلنتون حال انتخابها في نوفمبر 2016 أن يتم استبدال أردوغان بإسلامي آخر من رجالات العثمانيين الجدد من اجل استكمال الدور التركي في المشروع الأمريكي.

وشهدت سنوات أردوغان تحالفًا إسلاميًا مع كافة الجماعات الإسلامية حول العالم إضافة إلى دولة قطر التي سيطرت على جماعات الإسلام السياسي منذ عام 2001 حتى منتصف عام 2017 حينما قوض الرباعي العربي المشروع الإقليمي القطري فانتقلت إدارة ملف الإسلام السياسي إقليميا من الدوحة إلى أنقرة.

وخدمت قطر إعلاميا على النظام التركي عبر شبكات الجزيرة الإعلامية، ويكفي القول إنه حينما صدح إعلام قناة الجزيرة بأن قصف غزة قد تم عقب زيارة تسيبي ليفني إلى القاهرة وأنه جرى التنسيق، في واقع الأمر كان تغطية على حقيقة أن قصف إسرائيل لقطاع غزة الفلسطيني في 24 ديسمبر 2008 لمدة ثلاثة أسابيع قد تم عقب يوم واحد من زيارة إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي لتركيا.

سقوط أسطورة صناع الاستقرار التركي

وفى 16 أبريل 2017 عقدت تركيا استفتاء لتعديل دستوري شمل 18 مادة تحول تركيا من الجمهورية البرلمانية إلى النظام الرئاسي الأمريكي الصارم، ولكن مع وجود أردوغان كان الاستفتاء في واقع الأمر هو اختيار ما بين التعددية السياسية ونظام الرجل الواحد والحزب الواحد، وظفر أردوغان بموافقة 51.41 % مقابل رفض 48.59 % للعبث بالدستور التركي.

مع ذلك تعرضت مسيرة أردوغان لعدة ضربات، فحينما عقدت الانتخابات البرلمانية في 7 يونيو 2015، خسر حزب العدالة والتنمية الأغلبية البرلمانية، وكان يفترض لأردوغان بصفته رئيسًا للجمهورية أن يكلف المعارض بتشكيل الحكومة بعد أن فشل حزبه، ولكنه ماطل في التكليف حتى يتم إعادة الانتخابات والذهاب إلى انتخابات مبكرة في نوفمبر 2015.

ما بين يونيو ونوفمبر 2015، ظهر تنظيم داعش ولاية تركيا، وتساءل الأتراك هل استخدم أردوغان تنظيم الدولة الإسلامية الذي شارك في صناعته بالعراق وليبيا وسوريا واليمن ولبنان، في قمع الداخل التركي، أم أن إيران عكست اللعبة واستغلت ترنح أردوغان ووجهت له الضربة من نفس الكأس؟

وعلى ضوء نزيف شعبيته، ذهب أردوغان إلى انتخابات برلمانية مبكرة عام 2018، هي ثاني انتخابات مبكرة في أقل من ثلاث سنوات، إضافة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، ليظفر بثاني ولاية رئاسية وخامس ولاية في حكم تركيا.

مع خسارته أنقرة وإسطنبول في الانتخابات المحلية/البلدية التركية 2019، راحت الأصوات الداخلية تطلب منه الذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة، هي الثالثة في أقل من خمس سنوات حال حدوثها، وعدم انتظار عام 2023 لعقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية في موعدها، ما يعكس تبديد أردوغان لأسطورة صانع الاستقرار التركي.

مستقبل الإسلام السياسي في تركيا

على ضوء إفلاس أردوغان وتعقد الملفات الإقليمية بوجه أنقرة، أدرك بعض رجالات الإسلام السياسي في تركيا أن وقت استبدال أردوغان قد حان، وأنه يمكن أن يتم عقد صفقة مع بعض الدول الإقليمية والدولية في هذا المضمار.

هكذا خرج من حزب العدالة والتنمية حزبان جديدان هما:

1 – حزب المستقبل لـ أحمد داود أوغلو.

2 – حزب الديموقراطية والتقدم لـ علي باباجان

أما حزب السعادة آخر أحزاب الراحل نجم الدين أربكان فقد تحرك في اتجاه إحياء تحالفات أربكان مع القوى المدنية، والذهاب إلى ائتلاف انتخابي، ولكن أردوغان حرك ابن أربكان، محمد على فاتح أربكان، المعروف إعلاميا بـ فاتح أربكان، مواليد عام 1979، خسر المنافسة على رئاسة حزب السعادة لوراثة مقعد أبيه فاعلن تأسيس “حزب الرفاه الجديد”، وظهر «كايهان عثمان أوغلو»، الذى يلقب أيضا بـ«الأمير» لكونه أحد أحفاد السلطان عبد الحميد الثاني من الجيل الرابع، أربكان الابن لم يؤسس حزبه إلا بدعم من أردوغان من أجل شق حزب السعادة بعد أن تحالف السعادة مع حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البرلمانية 2018.

ولكن تبقى حقيقة أنه الوحيد القادر على استكمال مشروع العثمانيين الجدد دون التأثر بإرث رجب طيب أردوغان هو الرئيس السابق عبد الله جول، الذي أصبح في مقاعد المستقلين دون أن يؤسس حزبًا أو يشارك في أية فعاليات معارضة.