البربر

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

شهدت سنوات ما يسمى بالربيع العربي، ربيعاً موازياً للأقليات في الشرق الأوسط، سواء الكرد او الآشوريين والسريان والكلدان والإيزيدين، وذلك على ضوء المذابح التي قام بها تنظيم داعش حيال تلك الأقليات في سوريا والعراق، ما جعل العالم يهتم بتاريخ وثقافة وحال تلك الشعوب.

إذا كان ذلك هو الحال في ذلك المربع الجغرافي المشتعل الذي يضم حدود مشتركة لسوريا والعراق وإيران وتركيا، ما بين الهضبة الفارسية وهضبة الاناضول والشام وبلاد الرافدين، فأن شمال افريقيا شهد في سنوات الربيع العربي صعوداً لصوت الامازيغ، وتصاعدت الأصوات المطالبة بتمثيل سياسي للأمازيغ، وشكل امازيغ ليبيا جناح عسكري شارك في اسقاط نظام القذافي ثم لاحقاً كان للميلشيات الامازيغية المتعددة في ليبيا حضوراً قوياً في كافة معارك الحروب الاهلية في ليبيا ما بعد القذافي.

وبدأ الاعلام الدولي في حقن تغطيته الصحفية والإعلامية للشرق الأوسط بمواد تعريفة وتاريخية عن الامازيغ، وصولاً الى احتفال الاعلام الدولي سنوياً برأس السنة الامازيغية وطالب العديد من النشطاء والمثقفين حول العالم بأن يحتفل كل مثقف وداعم للتنوع الثقافي برأس السنة الامازيغية، كما شهد تلك السنوات العشر ما بين عامي 2010 و2020 مطالب سياسية وحقوقية للأمازيغ في الجزائر وتونس إضافة الى محاولة فاشلة للتمرد العسكري وإقامة دولة شمال مالي.

ولكن من هم الامازيغ وما هي حقيقة هذه الخصوصية الثقافية؟ ان الإجابة المعتادة ان الامازيغ هم بدو شمال افريقيا بل والبعض يجيب بأنهم الشعب الأصلي لشمال افريقيا، وانهم حملوا أسماء متعددة مثل البربر او الطوارق، من غرب مصر مروراً بـ ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وتشاد ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وجزر الكناري (جزائر السعداء قبل الغزو الاسباني)، وان لغات تلك الجماعات القبائلية كلها تنسب الى لغة واحدة امازيغية وان القبائل والعشائر والبدو في تلك المساحة مترامية الأطراف هم شعب واحد وعرق وجينات واحدة.

سرقة التقويم المصري القبطي

ولكن التاريخ والأبحاث الاثرية تحمل إجابات مختلفة، ففي بادئ الامر يوضح المؤرخ الفرنسي جون سيرفييه (1918 – 2000) Jean Servier ان التقويم الامازيغي ما هو الا التقويم المصري القبطي، وان بدو شمال افريقيا تأثروا بالمصريين وسرقوا هذا التقويم من مصر، إضافة الى ان كلاهما، التقويم القبطي والامازيغي، هو التقويم اليوناني والروماني مع بعض الإضافات المحلية.

وذلك في كتاب:

Les portes de l'Année. Rites et symboles. L'Algérie dans la tradition méditerranéenne

اما فكرة رأس السنة الامازيغية، حيث ينص الامازيغ انها تاريخ جلوس الامازيغي شيشنق على عرش مصر مؤسساً الاسرة الــ 22 في الحضارة المصرية القديمة، فهو قول مردود عليه تاريخياً، بأنه لا يوجد أي مرجع تاريخي او دراسة جينية تثبت ان الاسرة الخامسة والعشرين كانت امازيغية.

الملك المصري شيشنق لم يكن ليبياً أو امازيغياً

ومع البحث وإخضاع تلك النصوص للتدقيق العلمي، يتضح ان الجد السابع للملك شيشنق وفقاً لآثار الحضارة المصرية القديمة قد اتى من ليبيا الشرقية، وان حفيد هذا الجد قد تزوج مصرية، ومنذ فجر هذا التاريخ فأن أبناء هذا الحفيد عاشوا بكامل المواطنة المصرية سواء الدين او الجيش او السياسة.

شيشنق اذن كان ابن الجيل الخامس لهذا الحفيد الذي تزوج مصرية، وابن الجيل الثامن لهذا الجد الأكبر القادم من ليبيا الشرقية.

وفى هذا العصر كان قدماء المصريين يطلقون على بدو الصحراء الغربية مصطلح "ليبو" وهو المسمى الذى اطلق لاحقاً على ليبيا، وكانت الصحراء الغربية المصرية في هذا العصر تمتد الى ما يعرف اليوم بكامل شرق ليبيا، تماماً كما كان يمتد جنوب مصر الى السودان الحديث اليوم، أي انه بمقاييس هذا الزمن فأن ليبيا الشرقية لم تكن ارض اجنبية بل كانت مصرية وبالتالي فانه سواء الجد السابع او الخامس او الملك شيشنق فأن الثلاثة مصريين بحسابات عصرهم، وذلك دون ادني إشارة في كافة آثار الحضارة المصرية القديمة الى ان الملك شيشنق كان امازيغي فليس كل ما هو ليبي بالتبعية يعتبر امازيغي، وهو مصري اباً عن جد والا لما دخل الجيش المصري الذي كان حصرياً في هذا الزمان على المصريين فحسب.

وإذا كان الامازيغ قد استغلوا خطأ تاريخي حينما حاول بعض المؤرخين نسب الاسرة الـ 22 المصرية الى ليبيا، وقد أنفق الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ثروة طائلة على المؤرخين والمثقفين الغربيين قبل العرب من اجل إقرار هذا النص، فأن فكرة ان رأس السنة الامازيغية يواكب عيد جلوس شيشنق على عرش مصر فكرة مردود عليها تاريخياً بأنه من غير المعروف او المعلوم او الثابت على وجه الدقة يوم تولي شيشنق السلطة، فالمعروف هو السنة وليس اليوم والشهر كما يدعى الامازيغ.

أبتكار البربر .. كيف صنعت فرنسا قومية الامازيغ

ولكن باحث آخر حمل كافة الشكوك التاريخية حول اساطير الامازيغ او البربر وبعد سنوات من البحث والابحار في الوثائق الفرنسية المهملة رغم انها لم تعد سرية، اخرج كتاب "اختراع البربر: التاريخ والأيديولوجية في المغرب" Inventing the Berbers: History and Ideology in the Maghrib عام 2019، انه رمزي روجيهRamzi Rouighi أستاذ مشارك في دراسات الشرق الأوسط بجامعة جنوب كاليفورنيا.

الاستعمار الغربي في المغرب العربي

عرف إقليم المغرب العربي او شمال افريقيا عادة حالة من الاستقلال السياسي مقارنة بمناطق الاناضول والشام العربي، وكانت لسلطنة مراكش او المغرب وضع مستقل وقوى بينما الدول الإسلامية تتعارك في المشرق العربي، وعضد من استقلال المغرب ذلك الاتصال القوى مع دول الإسلام في الاندلس وإيطاليا فشكلت تلك الدول اقليماً مسلماً قوياً بوجه الوسط والغرب الأوروبي الكاثوليكي.

ومع مجيء القرن التاسع عشر وضعف "داي (ملك) الجزائر" و"باي (ملك) تونس" و"سلطان (ملك المغرب) مراكش"، وانشغال مصر بمقاومة التمدد الإنجليزي في الشرق الأوسط وضعف وتواطؤ الدولة العثمانية مع المجتمع الدولي ضد مصر، تقدمت فرنسا وحاصرت العاصمة الجزائرية وامطرتها بالقنابل واحتلت الجزائر عام 1830، ثم تونس عام 1881، بينما مصر ايضاً تعاني من محاولات إنجلترا للتدخل والاحتلال وهو ما تم عقب اقل من عام من دخول الفرنسيين للعاصمة التونسية، واخيراً دخل الفرنسيين فاس عاصمة المغرب وقتذاك عام 1912 لتقع المغرب تحت الاحتلال الفرنسي والاسباني إضافة الى بعض المناطق الخاضعة للاحتلال الألماني والبريطاني، ولاحقاً تقدمت إيطاليا واحتلت ليبيا ليتقاسم الغرب دول شمال افريقيا مع وجود إنجلترا في مصر والسودان.

ورغم ان الاحتلال الاسباني لعب دور مؤثر في المغرب كما ان المغاربة المتعاونين مع مدريد لعبوا دور مهم في الحرب الاسبانية الاهلية ولاحقاً في الجمهورية الاسبانية في سنوات حكم الجنرال فرانكو، الا ان فرنسا لعبت دور مؤثر سياسياً وثقافياً في بلاد المغرب العربي.

والحاصل ان فرنسا حينما تطلعت لغزو بلدان افريقيا، كانت تعوض ما خسرته من مستعمرات في القارة الامريكية الجديدة، فكانت مستعمرات "افريقيا الفرنسية" عوضاً عن مستعمرات "أمريكا الفرنسية".

وبحسب الوثائق الفرنسية، فأن شعوب المغرب او شمال افريقيا كانت شعوباً مجهولة في كل شيء بالنسبة للفرنسيين، ولقد تفاجأ الفرنسيين بترابط ووحدة الشعب المغربي والجزائري والتونسي، اشبه بقومية موحدة تدين بدين الإسلام دون مشاكل عنصرية او طائفية او طبقية او حتى عشائرية او قبائلية.

المؤرخ الفرنسي ألكسيس دو توكفيل (1805 – 1859) Alexis de Tocqueville، الذي يعد من اهم رموز الليبرالية الفرنسية واليسار الليبرالي، والذي شغل منصب وزير الخارجية كما تولي منصب رئيس إقليم المانش الفرنسي، عبر عن جهل الأنتلجنسيا Intelligentsia الباريسية (أي النخبة الثقافية في باريس) في كتابته "تقرير عن الجزائر" Rapport sur l'Algérie الصادر عام 1847، حيث كتب: "لم تكن لدينا فكرة واضحة عن الأعراق المختلفة التي سكنت البلاد، أو عن عاداتهم، كذلك لم نكن على دراية بأي كلمة من اللغات المنطوقة هناك". لكن هذا لم يمنعه من الاعتراف بأن "جهلنا الكامل تقريبا بكل هذه الأمور، لم يمثل عقبة أمام انتصارنا، لأن النصر في المعركة حليف الأقوى والأكثر جسارة، لا الأكثر اطلاعا".

وبعد دراسات ثقافية قام بها مثقفون عملوا في الجيوش الاستعمارية الفرنسية ولاحقاً تم اعتبارهم من رموز الفكر الليبرالي والحريات والحركة الثقافية العالمية، وجد الفرنسيون ان شعوب الدول الثلاث ينظرون الى خصوصيتهم الثقافية باعتبارهم مسلمون دون النظر الى العرق او القومية.

صناعة الصراع بين العرب والبربر في شمال افريقيا

قرر الغزاة الفرنسيون تقسيم تلك المجتمعات الى قوميات، وخلق قومية الامازيغ او البربر، على ضوء ان اللغة العربية هي السائدة في تلك الدول وبالتالي فأن أفكار القومية العربية حاضرة في نفوس تلك الشعوب ولا تنتظر سوى قومية مضادة تصدح بخطاب انفصالي حتى تتصاعد القومية العربية في النفوس، وهكذا تنجح لعبة فرق تسد في اشغال تلك الشعوب عن مقاومة الاستعمار وعن التوحد في وجه أوروبا ولتصبح شمال افريقيا في حرب أهلية دائمة وحرب ثقافية واضطرابات شعبية بين قوميتين صنعهم الغرب، القومية العربية وقومية الامازيغ.

وللمفارقة فأن الوثائق الإنجليزية تتفق مع الفرنسية في هذا المضمار، سبق لعالمة الاثار البريطانية إليزابيث فينتريس بالاشتراك مع المؤرخ مايكل بريت Michael Brett and archaeologist Elizabeth Fentress ان أصدرا عام 1997 كتاب بعنوان "البربر" The Berbers واستعان الكتب بوثائق بريطانية تشير الى ان فرنسا عمدت في شمال افريقيا الى "صناعة قومية معاكسة للقومية السائدة واحساس بالأسبقية الاثنية تؤدى الى اشتباك ثقافي وفكري يفكك الوحدة الوطنية".

و"لم يكن هنالك مشكلة لدي مفكرين الغرب في إيجاد صلة بين البربر والفرنجة والقوط من اجل تعميق الأصول الثقافية والعرقية للبربر، وانتاج فكرة ان البربر هم السكان الأصليين لشمال افريقيا والمغرب العربي"، وان التوصيات الأوروبية للاحتلال الفرنسي سعت الى صناعة اسطورة ان "البربر هم السكان الأصليين لشمال افريقيا أصحاب الهيمنة التاريخية".

وعمد الفرنسيون الى "تهميش شعوب المور (سكان المغرب) والقرطاجية (سكان تونس) والموريتان (سكان موريتانيا) والليبو (سكان ليبيا) واعتبارهم عرب مقابل تضخيم قومية البربر او القومية البربرية".

ويشير الكتابين، الفرنسي والبريطاني المشار اليهم في السطور السابقة، الى انه لا يوجد تجانس اثني والوحدة الاثنوجرافية او أنثروبولوجي بين كافة تلك القبائل التي يطلق عليها بربر او امازيغ او طوارق، بمعني انه قبائل او بدو شمال افريقيا هم قبائل متفرقة وعشائر لا يجمعها أصول عرقية او قومية واحدة، وان أي بحث جاد في هذا المضمار يجد صعوبة في التوفيق بين الجداول الزمنية والأصول العرقية والبشرية والشكل العام والاحياء وفقه اللغة (علم أصول الكلام او اللغويات) والأنثروبولوجيا الفيزيائية وعلم الآثار، والأنثروبولوجيا الثقافية.

ويشير رمزي روجي الى انه حينما فشلت فرنسا ومعها إنجلترا في صناعة قومية عرقية، لجأت الى قومية اللغة، بمعني انه يتم البحث عن مصدر موحد للغات التي يتحدث بها بدو شمال افريقيا، ولكن – وبحسب الوثائق الفرنسية في الدارسة – أنه لا يوجد لغة أمازيغية واحدة بل لغات متعددة يتحدث بها بدو شمال افريقيا، وانه قبل الاحتلال الفرنسي لشمال افريقيا لم ينظر احد الى تلك اللغات واللهجات باعتبارها "ابنة لغة موحدة او واحدة كانت موجودة يوماً ما" وحتى فرضية وجود لغة امازيغية كبري او اللغة الامازيغية الام التي خرج منها كافة تلك اللغات فأنها فرضية علمية لم تكن موجودة قبل الاحتلال الفرنسي الذى صنع تلك الفرضيات العلمية بتوصيات استعمارية امبريالية.

وتشير الدراسات الفرنسية والبريطانية المشار اليها الى انه كافة القبائل والعشائر الافريقية في الشمال كان لها استقلال لغوي وثقافي واثني بعيداً عن القبيلة والعشيرة المجاورة، ولكن كما الحال مع كافة لغات العالم، مثلما الحال على سبيل المثال بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية، فأن هنالك بعض الكلمات والمصطلحات المتشابهة، ووجد الاستعمار الفرنسي ضالته في هذا التشابه للادعاء بالقول ان هنالك لغة امازيغية قديمة هي الرابط اللغوي المشترك بين عشرات اللغات واللهجات المستخدمة في شمال افريقيا.

اللغات المصرية القديمة مصدر اللغات الامازيغية

وحول أصول تلك اللغات واللهجات الافريقية المتناثرة يشير رمزي روجي الى ان الدراسات والوثائق الفرنسية ربطت بين تلك اللغات واللغات المصرية القديمة، وان التأثر الثقافي واللغوي لبدو شمال افريقيا بالثقافة المصرية واضح للغاية، وان اغلب لغات ولهجات بدو شمال افريقيا التي يطلق عليها اليوم لغات امازيغية هي نتاج تأثر هؤلاء البدو باللغات المصرية القديمة التي تعتبر اللغة الام لهذه اللهجات.

وقبل أن يغزو العرب او المسلمين الاوائل لشمال غرب إفريقيا في القرن السابع، كما يؤكد رمزي روجي، لم يكن هناك بربر بالمفهوم او الدباجة التي يروج لها البعض اليوم عبر كتب التاريخ، كانت الشعوب الموجودة هي المور والموريتان والموريتانيين والأفارقة والعديد من القبائل والاتحادات القبلية مثل ليوتاي أو موسولامي؛ وقبل العرب لم يعتقد أحد أن هذه الجماعات تشترك في أصل أو ثقافة أو لغة مشتركة.

قبل العرب، كان الرومان ينظرون الى سكان افريقيا بالكامل باعتبارهم "البرابرة" وبالتالي فأن ما فعله الاستعمار الفرنسي هو احياء الفكر والمصطلح والتوصيف الروماني، تماماً كما فعل الاستعمار الغربي عموماً في افريقيا وآسيا حينما اتى بأفكار يونانية ورومانية وقام بإحياء تلك الأفكار لصناعة تاريخ بديل ومزيف لتلك الشعوب.

خطأ تاريخي لدي المؤرخين العرب والمسلمين

العرب أطلقوا البربر على شمال افريقيا تماما كما أطلق المستعمر الأوروبي على سكان أمريكا الأصليين مصطلح الهنود الحمر، دون ان يعرف انهم قبائل وشعوب مختلفة، يقول الكاتب ان العرب لو توقفوا عند الغزو في غرب مصر لكان البربر هم غرب مصر فحسب، فأن المصطلح تمدد بالفتوحات الإسلامية وأصبح كل إقليم يغزوه العرب تحت مسمي الفتوحات الإسلامية هو إقليم جديد للبربر.

اما مصطلح امازيغ فهو مسمى واحدة فحسب من تلك العشائر التي كانت موجودة في المغرب الأقصى في إحدى فترات التاريخ ابان العصر الروماني.

الحقيقة التي توصلت لها الدراسات التاريخية

هكذا يتضح لنا ان بربر او امازيغ او حتى طوارق المغرب هم قبائل وعشائر مغربية لا يربطها أي عرق او لغة او ثقافة او امتداد عشائري او ثقافي او امازيغي مع بربر او امازيغ او حتى طوارق الجزائر، كذا الامر بالنسبة لأمازيغ الجزائر مع امازيغ ليبيا، كذا الامر مع بدو الصحراء الغربية المصرية مع طوارق مالي، كذا الامر مع امازيغ تونس وطوارق النيجر، هؤلاء البدو لا ينتسبون الا لشعوبهم وبلدانهم فحسب، لا يوجد أي رابط بينهم اسمه امازيغية او بربرة او طوارق، ولكن تلك القومية كانت صناعة فرنسية وبريطانية خالصة، وان اقصى ما هو ثابت في التاريخ هو ان كلمة بربر او امازيغ كانت مصطلح روماني اطلق على مجاهل افريقيا دون أي دراسات ثقافية او لغوية او عرقية، مجرد ارث استعماري روماني وظفه الفرنسيون والبريطانيين فحسب استغلالاً لأخطاء المؤرخين العرب والمسلمين في فجر حقبة دين الإسلام.

تسليح العرب ضد البربر

ومن اجل تأليب الشعوب المغاربية على بعضها البعض، وصناعة مظلوميات، وحساسيات قومية بين العرب والبربر/الامازيغ، قام الاحتلال الفرنسي بتأسيس مكاتب العرب bureaux arabes في عام 1844، وهي هيئة إدارية تضم المتواطئون من سكان الجزائر مع الاحتلال، هؤلاء الذين نظروا الى الاحتلال الفرنسي باعتباره مهمة حداثة وتنوير للمغاربة الجهلة.

ضمت مكاتب العرب جيش من سكان الجزائر شريطة ان يكونوا غير امازيغ، شاركوا في القمع العسكري جنباً الى جنب مع الاحتلال الفرنسي، كما ضمت مكاتب العرب مثقفين وكتاب ومفكرين جزائريين عملوا مع الاحتلال وضم هذا التنظيم ايضاً جهاز استخبارات يقوده الفرنسيون لدراسة وفهم مجتمعات شمال افريقيا وبث الفتنة القومية والعرقية بينهم. مع سقوط الإمبراطورية الفرنسية عقب الهزيمة العسكرية امام المانيا القيصرية في حرب 1870، وقيام الجمهورية الفرنسية الثالثة، عمد الاستعمار الفرنسي الى معاملة الجميع بغطرسة واعتبار الشعوب المغاربة جنساً اقل من الفرنسيين، فتم حل مكاتب العرب بعد ان ظلت جزءاً من وزارة الحرب (الدفاع) الفرنسية.

اسقاط الجنسية عن العرب والبربر المسلمين

مع سقوط النظام الامبراطوري الفرنسي وإعلان الجمهورية الثالثة، قدم وزير العدل الفرنسي الجديد أدولف كريمييه Adolphe Crémieux (1796-1880) مشروع منح الجنسية الفرنسية ليهود الجزائر، أما فيما يتعلق بالمسلمين، كان ما يسمى "قانون كريمييه" يشترط على كل مسلم عربي او بربري – بحسب المسميات الفرنسية – أن يتقدم بطلب مواطنة رسمي فردي أن يتخلى عن الإسلام والعمل بقوانينه بشكل رسمي. ما يعني أن المسلمين شكلوا طبقة أدنى من سكان الجزائر الفرنسية، أفراد بلا حقوق سياسية كاملة.

أدولف كريمييه Isaac-Jacob Adolphe Crémieux كان ناشطاً يهودياً رأى انه يمكن استخدام يهود العالم أجمع كـ جماعات وظيفية لصالح فرنسا شريطة دمجهم في الثقافة والجنسية الفرنسية، ورأى ان المستهدف الأول لتحويل اليهود الى جماعة وظيفية تخدم الاجندة الفرنسية هم يهود الدولة العثمانية وبلاد فارس و"جنوب البحر المتوسط المسلم".

وفى هذا الأطار أسس كريمييه وترأس الاتحاد الإسرائيلي العالمي Alliance Israélite Universelle ومقره حتى اليوم في باريس، ويعد اليوم من اهم المنظمات التي ساعدت في قيام دولة إسرائيل وخدمة الحركة الصهيونية للنظام العالمي باعتبار ان الصهيونية بدورها ما هي الا جماعة وظيفية تمثل "اليهودية السياسية" الخادمة للاستعمار الغربي والنظام العالمي.

بل وللمفارقة فأن كريمييه قد اضطر للتخلي عن رئاسة المجلس المركزي ليهود فرنسا

Consistoire Central des Israélites de France"

Central Consistory of the Jews of France

عام 1845 بعد ان تبيَّن أنه سمح لزوجته بأن ينسب أبنائهم للدين المسيحي! ما يجعل المؤرخون يعتبرون نشاطه الحقوقي في أوساط اليهود مجرد محاولة لتجنيد اليهود لصالح اجندة الدولة الفرنسية بينما الرجل لم يكن يهودياً مخلصاً لدينه.

وللمفارقة فأن هذا الرجل الذى سعى لتهويد شمال افريقيا عموماً والجزائر خصوصاً واجبار العرب والبربر على ترك دين الإسلام، يصنف باعتباره زعيم ليبرالي وذلك لأنه ساهم وزيراً للعدل وقبل ذلك عضواً في البرلمان في الغاء العبودية والرق في المستعمرات والامبراطورية الفرنسية حتى لقبه المؤرخين بـ "إبراهيم لينكولن فرنسا"!، كما يعد من اهم الشخصيات التي رأت أهمية ان تستخدم فرنسا المنظمات الماسونية حول العالم وعدم تركها للسياسة البريطانية فكان عضواً نشطاً في العديد من الدوائر الماسونية التي تعد بدورها جماعات وظيفية واذرع للمؤامرة تعمل لدي النظام العالمي.

صناعة التطرف المسيحي لدى الامازيغ

ومع بدء سياسة الاستيطان الفرنسي في شمال افريقيا، وتحويل المواطن الفرنسي الى مواطن من الدرجة الأولى بينما سكان الجزائر والمغرب وتونس سكان من الدرجة الأدنى، لعب الفرنسيون لعبة اخري الا وهي المبشرون الكاثوليك الفرنسيون الذين يذكرون البربر/الامازيغ بانهم كانوا من أوائل الشعوب التي آمنت بالمسيحية على يد الغزاة الرومان، وان الفرنسيون كشعب مسيحي روماني يتطلع للتعاون مع الشعب البربري الذى اجبره المسلمون الغزاة على ترك المسيحية واجباره على دخول دين الإسلام، ولاقى هذا الحديث صدى ثقافي في نفوس الكثير من النخب الامازيغية وقتذاك التي صنع الاحتلال الفرنسي في خطابها "أجواء الحين الى الدين المسيحي" رغم انه لا حقيقة لهذه الأجواء او هذا الحنين قبل الغزو الفرنسي لشمال افريقيا.