التداعيات السياسية لوباء كورونا

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

تجاوز تأثير وباء كورونا حواجز عالم الطب، بكل ما جرى من غلق كامل لعشرات الدول والمجتمعات، وتعطيل السياحة العالمية وانهيار البورصة الدولية وغيرها من المؤثرات، ليصبح وباء كورونا هو الصانع الجديد لنظام عالمي مختلف تمام الاختلاف عما كان عليه المسرح الدولي قبل تفشي وباء كورونا.

ولعل أولى ملامح عالم ما بعد كورونا، هو غضب الشعوب الأوروبية من الاتحاد الأوروبي، سواء الدول التي انضوت تحت مظلة الاتحاد ومؤسساته، او التي سعت طيلة السنوات الماضية الى الإيفاء بشروط الانضمام للاتحاد ولم تتلق الدعم او المساعدات الكافية خلال وباء كورونا رغم انه يحق لها ذلك.

خريف الاتحاد الاوروبي

بعد الشعب الإيطالي، خرج الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش ليصب غضبه على الاتحاد الأوروبي وأصر على المقارنة ثلاث مرات في خطابه بين عدم تقديم أوروبا لمساعدات الى بلجراد مقارنة بالمساعدات الصينية.

خطاب فوتشيتش نقطة فاصلة في تاريخ الجمهورية اليوغوسلافية السابقة، على ضوء انه يتزعم التيار المؤيد لفكرة صربيا الأوروبية والتوجه الى الوحدة الأوروبية بدلاً من فكرة "صربيا اليوغوسلافية" و"صربيا البلقان" التي ترى في الصرب أمة سلافية، اما ان تأخذ موقف حيادي بين روسيا وأوروبا، او الانضمام الى الفلك الروسي السياسي.

فوتشيتش الذي يشغل منصبه منذ يونيو 2017 بعد سيرة موفقة كوزير للدفاع عامي 2012 و2013، يترأس الحزب التقدمي الصربي، الذي ينتمي الى اليمين القومي المحافظ الراديكالي الصربي، ومع ذلك كان الحزب الذي يحكم بلجراد يرى املاً في الاقتصاد النيوليبرالي والتوجه الى القارة الأوروبية قبل ان تبدأ دوائر الحزب في مارس 2020 عبر منابره الإعلامية والصحفية بمهاجمة الاتحاد الأوروبي ونظم الاقتصاد الغربية.

صربيا تسعى للانضمام الى الاتحاد الأوروبي، فهي ليست عضوة بالاتحاد بعد، ولكن بعد تصريحات فوتشيتش فأن العلاقة بين أوروبا وصربيا دخلت نفقاً مظلماً على ضوء تطورات العمل المشترك في عالم ما بعد كورونا.

المفكر الألماني أولريش شيفر Ulrich Schäfer في كتابه " انهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود " Der Crash Des Kapitalismus الصادر في نوفمبر 2008، رصد تململ وشك وعدم ثقة الشعوب الأوروبية في الاتحاد الأوروبي والياته القارية، وكانت مفاجأة هذه الدراسة ان التململ يضرب بجذوره دول تحكمها حكومات شديدة الإخلاص لفكرة الوحدة الأوروبية مثل المانيا وفرنسا.

ولكن من المستبعد ان تسقط الحكومات الأوروبية فكرة الوحدة الأوروبية بشكل درامي كما حدث مع الاتحاد السوفيتي وسقوط فكرة الوحدة الاشتراكية بين الأمم الروسية والسلافية، ولكن سوف تسعى الدول الأوروبية الى انتاج اتحاد أوروبي جديد على أنقاض الاتحاد الحالي، على ان يصبح الاتحاد الجديد اشبه بجامعة الدول العربية بعد ان كان الاتحاد الحالي يضم حكومة أوروبية موحدة.

المقترح الجديد هو ان يكون الاتحاد الأوروبي مجرد منتدى لحكومات الغرب دون محاولات الدعم العنيفة في عملة موحدة وقوانين واحدة، وان تسعى أوروبا للتكامل الاقتصادي دونما ان تسعي لفرض عملة موحدة وحكومة موحدة وثقافة القومية الأوروبية على كافة شعوب القارة الأوروبية.

وبعيداً عن عملية إعادة انتاج او هيكلة الاتحاد الأوروبي، فأن الازمات التي تسبب فيها كورونا سوف تجعل مؤسسات الاتحاد الأوروبي اقل تشدداً وصرامة مع بريطانيا في المفاوضات الجارية بين الطرفين لتنظيم العلاقة عقب الخروج البريطاني من الاتحاد، ما يعني عملياً ان بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني قد ظفر اخيراً بالإذعان الأوروبي لرؤيته عن طبيعة العلاقة بين الطرفين فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية والحدود والتبادل الاقتصادي والعلاقات التجارية والدبلوماسية.

بل ولن تبالغ الصحف إذا ما عنونت طبيعة العلاقة بين جونسون وأوروبا بأن الاتحاد الأوروبي على ضوء ازمة كورونا سوف يركع امام جونسون ويحاول ان يحصد تسوية سريعة لهذا الملف.

التوجه الى روسيا بديلاً عن الاتحاد الاوروبي

وفيما يتعلق بالصراع القائم في الغرب بين الأحزاب التقليدية التي حكمت الغرب بالتناوب منذ الحرب العالمية الثانية من جهة، والقوى السياسية الجديدة التي ظهرت على ضوء الازمة الاقتصادية العالمية (2008 -2013) من جهة اخري، او الصراع الذي يمكن اختصاره بأنه صراع بين التيارات الليبرالية/النيوليبرالية والقومية على زعامة النظام الرأسمالي العالمي، فأن هذا الصراع سوف ينتقل الى صناديق الاقتراع وسوف يلعب وباء كورونا دوراً مهماً في تشكيل اختيارات الناخب الغربي.

يترقب المراقبون صعود اليمين القومي في إيطاليا وزعيمه ماتيو سالفيني على ضوء الغضب الشعبي من الاتحاد الأوروبي، وتسعى الحكومة الإيطالية لتجنب الذهاب الى انتخابات مبكرة في صيف 2020 على ضوء حقيقة ان الانتخابات الإيطالية في زمن وباء كورونا لا تعني الا نهاية اليسار الإيطالي التقليدي وصعود اليمين القومي الإيطالي الرافض لاستمرار إيطاليا في الاتحاد الأوروبي ويسعى لتنظيم خروج إيطالي من الوحدة الأوروبية كما فعلت بريطانيا.

ويلاحظ ان روسيا والصين التي تنافس الاتحاد الأوروبي على إرضاء الدول الغاضبة من مؤسسات الاتحاد، قد سارعتا بإرسال مساعدات الى روما، وقد أمعن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الثقل السياسي للمساعدات الروسية، فأرسل فرق طبية من الجيش الروسي للمساعدة، فما يعد أوسع انتشار للجيش الروسي في أوروبا الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

تعزيز النفوذ الروسي في الدول الأوروبية الغاضبة من خزلان الاتحاد الأوروبي، يعزز فرضية ان دول اليمين القومي في أوروبا تجد في روسيا بديلاً مناسباً عن منظومة العولمة الامريكية ممثلة في القطب الأمريكي وياوره الاتحاد الأوروبي كما تنص ادبيات اليمين القومي الجديد.

مشهد ختامي حزين لأنجيلا ميركل

ومع استقرار حكومات اليمين القومي في النمسا واليمين المحافظ التقليدي في اليونان، الى جانب سيطرة التيار القومي على حزب المحافظين البريطاني بقيادة بوريس جونسون على حساب التيار المحافظ التقليدي، تتوجه الأنظار الى برلين على ضوء حقيقة ان العد التنازلي لتقاعد المستشارة الألماني انجيلا ميركل قد بدأ، عقب أربع ولايات و16 عاماً في السلطة.

ميركل صرحت قبل الازمة بانها لن تترشح في الانتخابات المقبلة صيف 2021، وعلى ضوء هشاشة التحالف بين حزبها الاتحاد المسيحي الديموقراطي والحزب الاشتراكي الديموقراطي، فأن بعض العقلاء في برلين المتخوفين من صعود حزب البديل الذي يمثل اليمين القومي الجديد، يحاول إعادة التحالف بين الاشتراكي والخضر واستعادة التحالف الذهبي الذي جري في زمن جيرهارد شرويدر بين الأخير ويوشكا فيشر.

وعلى ضوء حقيقة ان العالم لن يتعافى من الاثار الاقتصادية لوباء كورونا قبل عام على الأقل، فأن ميركل سوف تختتم عصرها في زمن أعتى وباء يضرب العالم منذ عقود، ليشكل كورنا مشهد ختامي حزين للمرأة الحديدة التي وصفت بإمبراطورة أوروبا.

وبينما أوروبا تناقش خلف الستار بشكل هادئ مرحلة ما بعد تقاعد ميركل، يأتي الخبر المفاجئ من برلين يوم الاحد 22 مارس 2020، بان المستشارة الألمانية دخلت الحجر الصحي، ورغم دقة البيانات الألمانية فأن التضارب في الانباء حول إصابة ميركل بالوباء ثم لاحقاً الاكتفاء بان طبيبها الخاص هو المصاب قد جعل الطبقة السياسية في المانيا لا تبيت ليلتها في نقاش حاد حول مستقبل الائتلاف الحاكم.

لا يوجد في ائتلاف ميركل اليوم الشخصية القادرة على قيادة المانيا بالإنابة عن ميركل حتى انتخابات صيف 2021، على ضوء تعقيدات دستورية لا توضح آليات العمل بالنسبة لنائب المستشار الألماني، وهو حالياً الاشتراكي أولاف شولتس وزير المالية، إضافة الى ان حزب ميركل ايضاً بلا رئيس على ضوء استقالة وزيرة الدفاع انجريت كرامب كارينباور من رئاسة الحزب وخروجها المؤقت من بورصة خلافة ميركل.

الحالة الصحية لميركل في الأيام المقبلة سوف تكون حاسمة لمستقبل المانيا، هل تخرج سيدة برلين الحديدة من الحجر الصحي وتستكمل ولايتها، ام تذهب المانيا الى انتخابات مبكرة؟ او يتدارك اركان الائتلاف الحكومي في المانيا حقيقة المأزق السياسي ويتغاطي عن الخلافات الداخلية بل ويستخدم بعض القوانين لتفادي مأزق دستوري ويؤدى أيا من وزراء الحكومة الحالية اليمين الدستوري مستشاراً مؤقتاً للبلاد الى حين مجيء انتخابات 2021 حتى لو كانت وزيرة الدفاع المغضوب عليها داخل الائتلاف الحاكم.

اليمين المحافظ الألماني التقليدي الداعم لميركل، الذي يضم الحزب المسيحي البافاري وحزب الاتحاد المسيحي الاشتراكي، سوف يحسم امره في صيف 2020 حينما يعقد مؤتمره السنوي لانتخاب رئيس جديد للحزب، وقتذاك سوف يحسم اليمين المحافظ الألماني امره بالذهاب الى انتخابات مبكرة او الاستمرار في ائتلاف هش لعام جديد وأخير.

وربما يخرج طرح مجنون وسط كل هذا الجنون بأن يتم توظيف مرض ميركل لرفع شعبيتها او شعبية اليمين المحافظ التقليدي بوجه اليمين القومي الجديد، أي ان يصبح مرض ميركل المحتمل بوباء كورونا بمثابة ترميم شعبية حزب ميركل عشية الانتخابات.

وسواء تقاعدت ميركل في 2021 او اصابتها المحتملة بكورونا في 2020، إضافة الى آثار كورونا على الاقتصاد والحياة العامة الألمانية وتصدع اليمين المسيحي التقليدي المحافظ، فأن برلين تواجه أزمة ضعف الخبرة السياسية لزعامات حزبي الاشتراكي والخضر، سواء نوربرت فالتر بوريانز وساسكيا إسكن قادة الاشتراكي الديموقراطي، او أنالينا بابوك وروبيرت هابك قادة الخضر، وكلها عوامل تصب في مصلحة اليمين القومي الجديد عبر حزب البديل الألماني.

هكذا تصبح المانيا على موعد مع أشرس أزمة يتعرض لها النظام الفيدرالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بلا ان توحيد المانيا وانهيار الكتلة الشرقية لم يتسبب في المانيا بهذا المردود الذي صنعه تنحي ميركل المرتقب سواء بالوباء او بشكل طبيعي العام المقبل، لتصبح برلين امام 24 شهراً من المنافسات السياسية الساخنة التي سوف تحدد هوية المانيا السياسية لعقود.

أزمة اليسار القديم والجديد في اسبانيا

التحالف اليساري الهش في اسبانيا بين الحزب الاشتراكي وبوديموس ايضاً محل تساءل، على ضوء صعود حزب فوكس اليميني من جهة، ومن جهة اخري ان اسبانيا أصبحت ثاني أكثر دولة مصابة بكورونا في أوروبا بعد إيطاليا.

تعاني اسبانيا من عدم استقرار سياسي على ضوء محاولة إقليم كتالونيا الانفصال وتدخل السلطة الاسبانية المركزية لقمع الانفصال بشكل غير مألوف في الديموقراطيات الغربية، إضافة الى ان الانتخابات البرلمانية المبكرة لثلاث مرات لم تسفر عن حكومات مستقرة، سواء انتخابات ديسمبر 2015 التي جرت في موعدها او الانتخابات المبكرة في يونيو 2016 وابريل 2019 ونوفمبر 2019.

ولولا تخوف اليساريين من صعود حزب فوكس المفاجئ في الانتخابات الأخيرة لذهبت اسبانيا الى انتخابات مبكرة رابعة او خامس انتخابات برلمانية في اقل من خمس سنوات.

تسبب حزب بوديموس الذي يمثل اليسار المتشدد الجديد في هذه الازمة حينما رفض المشاركة في الائتلافات الحزبية ما بين عامي 2015 و2019، ثم اضطر للذهاب الى الائتلاف الهش مع حزب العمال الاشتراكي خوفاً من تحالف بين حزب فوكس ممثل اليمين القومي الاسباني الجديد وحزب الشعب الجمهوري معقل اليمين المحافظ الاسباني التقليدي، واليوم يتخوف هذا الائتلاف الهش بين بوديموس والاشتراكيين من تفجر خلافات بين اركان الائتلاف ما يسفر عن الذهاب الى انتخابات مبكرة.

إعادة تقييم التجربة الماكرونية

وللمفارقة فأن الدولة الثالثة في الإصابة بكورونا في أوروبا هي فرنسا التي تشهد ايضاً اضطرابات سياسية ومخاوف أوروبية من صعود اليمين القومي للسلطة.

تشهد فرنسا اضطرابات السترات الصفراء منذ 17 نوفمبر 2018 لليوم، وتتأهب مارين لوبان زعيمة اليمين القومي رئيسة حزب التجمع الوطني (حزب الجبهة الوطنية سابقا) لخوض الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2022 للمرة الأخيرة بعد خسارتها انتخابات 2012 و2017 الرئاسية، وكانت الأصوات قد تعالت بتنحي لوبان لصالح ابنة اختها ماريون لوبان ولكن مارين تمسكت برئاسة حزب والدها وأصبحت انتخابات 2022 هي فرصتها الأخيرة.

لن تسمح أوروبا بأن تخسر ماكرون عام 2022 بعد خسارة ميركل عام 2021 – وربما العام الجاري – لذا فأن أوروبا تحتشد خلف ماكرون بشكل علني، خاصة ان مارين لوبان مثل البديل الألماني وماتيو سالفيني في إيطاليا، مناهضة للاتحاد الأوروبي وتريد تنظيم استفتاء للخروج الفرنسي من الاتحاد كما فعلت بريطانيا.

ربما كان مقاومة كورونا هي مفتاح ماكرون للاستمرار بعد سنوات من تآكل شعبيته على ضوء انتفاضة السترات الصفراء ومطرقة اليمين القومي التي لا تهدأ إضافة الى خلافات ايدولوجية مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والولايات المتحدة الامريكية استمراراً لرؤية فرنسا المختلفة عن باقي دول الغرب في حتمية تحسين آليات تلك المؤسسات والعلاقات، ما صنع حالة "ماكرونية" خاصة في السياسة الخارجية أصبحت تذكر المراقبون بـ"الشيراكية" نسبة للرئيس الراحل جاك شيراك.

ايضاً يرأس جاستين ترودو حكومة وسط ليبرالية لا تحظي بالأغلبية في كندا، ولكن من غير المتوقع ان ينجح اليمين الكندي في الذهاب الى انتخابات مبكرة نظراً لان ترودو سارع بإجراءات مبكرة أسرع من اغلب الدول المصابة بالوباء، إضافة الى حالة التعاطف الشعبي التي حصدها على ضوء أصابه زوجته بالمرض وهي امرأة عصامية وقفت بجانب ترودو حتى استطاع ان يصل الى المنصب الذي تولاه والده يوماً ما.

هكذا يمكن القول ان التيار القومي عموماً واليمين القومي خصوصاً، سوف يكون الرابح الأكبر من ازمة كورونا في إطار صراع الايدولوجيات مع التيار الليبرالي وحلفائه المحافظين التقليديين والاشتراكين وحتى الخضر في الغرب، وان مارثون الظفر بقيادة النظام الرأسمالي العالمي على وشك الدخول الى نقطة حاسمة بسقوط العديد من القوى التقليدية وتسليمها مقاليد الحكم في بلادها للتيار القومي.

سؤال الحسم في إعادة انتخاب ترامب

وبعيداً عن القارة الأوروبية فأن الولايات المتحدة الامريكية تشهد في نوفمبر 2020 انتخابات الرئيس ونائبه إضافة الى مجلس النواب كاملاً وقرابة نصف أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 100 عضواً بالإضافة الى بعض حكام الولايات وعمداء بعض المدن.

ورغم ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حقق اقل نسب للبطالة واعلى نسب لفرص العمل في الولايات الامريكية منذ نصف قرن، وأعاد الاقتصاد الأمريكي الى ارقام حقبة بيل كلنتون الذهبية، وللمفارقة فان ترامب وقتذاك كان عضواً ناشطاً في الحزب الديموقراطي ومن اهم داعمي حملتي كلنتون، فأن سؤال انتخابات 2020 اليوم لن يكون الا "هل استطاع الرئيس الأمريكي حماية الشعب من وباء كورونا من عدمه".

صحيح سؤال الاقتصاد والسياسة الخارجية وغيرها سوف يكون حاضراً في المناظرات الرئاسية الثلاث، وفى الحملات الانتخابية، ولكن من المؤكد ان مرشح الحزب الديموقراطي للرئاسة بوجه ترامب، سوف يركز على ما يراه أخطاء وسلبيات ترامب في ملف كورونا على ضوء ان هذا هو الملف الساخن الذي يحصد اهتمام المجتمع الأمريكي بكامل تركيبته العرقية والثقافية بل واللغوية المعقدة.

ورغم عدم وجود ارقام واضحة لشعبية ترامب امام مرشحي الحزب الديموقراطي سواء جو بايدن او بيرنى ساندرز، الا ان الانتخابات التمهيدية الديموقراطية حتى اليوم لا تحصد الزخم الشعبي او الإعلامي اللازم لتقديم مرشح قوي امام ترامب، لذا وعلى ضوء نجاحات ترامب المتعددة فأن ملف كورونا أصبح الملف الوحيد القادر على صناعة انقلاب في المشهد الانتخابي الأمريكي لصالح مرشح الحزب الديموقراطي.

انهيار العولمة الصينية المضادة

في سبعينات القرن العشرين وعقب مرورها بمجاعة، قررت حكومة الصين الشيوعية تنفيذ سياسات الانفتاح الاقتصادي واقتحام العالم الرأسمالي والتحول من النظام الاقتصادي الشيوعي الى الليبرالية الاقتصادية، مع عدم التخلص من النظام السياسي الشيوعي واخد الليبرالية الاقتصادية دون الليبرالية السياسية من الغرب الرأسمالي. وخلال عقدين من الزمن، تحولت الصين الى نمر ورأس حربة النظام الرأسمالي الغربي، فأصبحت أسواق الرأسمالية في قلب الولايات المتحدة تعتمد على الصناعة الصينية وأصبحت كبريات الشركات عابرة القارات تتخذ من الصين مقراً لها بعد عقود من الاستقرار في أوروبا وامريكا.

عملياً التهمت الصين العولمة الغربية من الداخل، وأصبحت فكرة انتاج بكين لعولمة صينية مضادة للعولمة الامريكية مسألة وقت.

وعلى ضوء مخاوف الرأسمالية الغربية ولوبي الصناعة الوطنية إضافة الى الرأسمالية الوطنية في الولايات المتحدة الامريكية من هيمنة الصين على النظام الرأسمالي العالمي، صعد ترامب الى سدة حكم الولايات المتحدة لأنه يؤمن بنفس هذه المخاوف، هو المرشح الذي عزف عن الديباجات الاكاديمية والسياسية وقال علناً في مؤتمراته الانتخابية صيف 2016 "الصين تغتصبنا".

منذ توليه الحكم في يناير 2017، عمد ترامب على تخليص الاقتصاد الأمريكي من هيمنة الصين، عبر تقليل الاعتماد على الاستيراد من الصين، وصناعة فكر الاقتصاد القومي بدلاً من الاقتصاد النيوليبرالي والسوق الوطني بدلاً من السوق الحر، وعلى ضوء غياب البضائع الصينية من السوق الأمريكي بدأ السوق المحلي ينتج البديل، وعلى ضوء الحاجة الى ايدي عاملة زادت نسب التوظيف والعمل وهبطت نسب البطالة وزادت ارقام الإنتاج والمكاسب والضرائب، هكذا صنع ترامب نجاحه الاقتصادي عن طريق فرملة الصين داخل الأسواق الامريكية.

ورغم ان ترامب ليس من أنصار العولمة بل وندد بقيم العولمة علناً من منبر الأمم المتحدة، ولكن عملياً كان ترامب يحرر العولمة الامريكية من الهيمنة الصينية ويقضى على فرص قيام العولمة الصينية كبديل او منافس للنظام الرأسمالي العالمي المعروف بـ العولمة الأمريكية.

ورغم ان ترامب تشدد مع بعض الدول في حملته الانتخابية ثم تراجع، الا ان تشدده مع الصين استمر عقب توليه الرئاسة، حيث انحاز علناً لتظاهرات هونج كونج الليبرالية ما جعل متظاهرو شرق الصين يرفعون العلم الأمريكي ويطالبون بتدخل امريكي حاسم لثورتهم في مشهد غير مسبوق بالدولة الشيوعية ذات القرارات الصارمة بحق دعوات التدخل الخارجي.

وفى غرب الصين تبنت الخارجية الامريكية خطاب سياسي ينص على ان "الصين تقوم بقمع اقلية الايجور المسلمة في تركستان"، رغم ان حركات الانفصال في غرب الصين هي عرقية وليست دينية، فالإيجور ليسوا مسلمين فحسب بل ينتمي أبناء هذه العرقية الى العديد من الديانات والمذاهب الأخرى.

ما بين تأييد ترامب لثورة ليبرالية شرق الصين وتمرد انفصالي في غرب الصين، وحرب اقتصادية على مدار ثلاث سنوات، واخيراً تخسر الصين 18 % من فاعلية اقتصادها على ضوء ازمة كورونا، يحصد ترامب مكاسب مهمة في مضمار لعبته لتقليم اظافر بكين.

ويأتي قرار خفض الفائدة الى صفر % على اذون الخزانة الامريكية لتخسر الصين وروسيا ودول الخليج العربي استثماراتها في الدين المحلي الأمريكي، هذا الخفض ليس خسارة لتلك التكتلات الثلاث صاحبة النسب الأكبر في تلك الاذون فحسب، ولكنه يوفر على الحكومة الامريكية تدبير 40 مليار دولار سنوياً فوائد تلك الاذون.

ورغم انه من السابق لأوانه الإشارة الى ان التنين الصيني قد خضع لترامب، ولكن مما لا شك فيه ان ترامب هو اول رئيس امريكي بدأ تركيع التنين الصيني بشكل عملي وحاسم بعيداً عن حسابات اسلافه في البيت الأبيض.

انهيار سعر برميل النفط

سعر برميل النفط بدأ عام 2020 وهو يلامس الــ 68 دولاراً للبرميل، ومع بدء ازمة كورونا وقلة طلب الصين واليابان وكوريا الجنوبية للنفط، وصل سعر البرميل في اقل من 50 يوماً الى 20 دولار على الأقل.

وقد تداخل مع كورونا فيما يتعلق بانهيار سعر برميل النفط الخلاف العلني بين روسيا والمملكة العربية السعودية فيما يتعلق بسعر البرميل ونسب التصدير، ولكن بعيداً عن الازمة الروسية السعودية وحتى كورونا، السؤال المهم هو عن الخاسر الأكبر والرابح الأكبر في وصول سعر برميل النفط الى عشرين دولاراً فحسب.

الخاسر الأول ليس دول الخليج العربي او روسيا، وكلا الطرفين أعلن عن قدرته على استكمال مخططاته الاقتصادية بهذه النسب، ولكنها إيران التي خسرت سوق التصدير غير القانوني او السوق السوداء للنفط، حيث كانت طهران تصدر نفطها علناً وسراً لليابان والصين وكوريا الجنوبية وباقي النمور الاقتصادية الآسيوية.

اما الرابح الأكبر فهي واشنطن التي أعلن ترامب انها سوف تملأ الاحتياطي النفطي لها بالنفط الرخيص، فيما يعد أكبر عملية شحن لبطاريات الصناعة الامريكية منذ ثلاثينات القرن العشرين.

إيران التي يخنقها ترامب بالعقوبات الاقتصادية، وحصار صناعة النفط، وتفكيك الإمبراطورية التجارية للحرس الثوري الإيراني، ودعم دبلوماسي واعلامي للاضطرابات الشعبية الجارية داخل إيران، او التي جرت في العراق ولبنان ضد النفوذ الإيراني في كلا البلدين، والتي تلقت ضربة بأنها كانت الدولة المصدرة لوباء كورونا الى دول الخليج العربي ومن المتوقع حال انتشاره في تركيا ان تكون إيران المصدر الأول ايضاً، إضافة الى عدداً من ساستها الذين رحلوا عن عالمنا نتيجة الوباء.

كافة تلك العوامل تجعل وباء كورونا قد ساهم بشدة في رؤية ترامب في تصفية الدور الإقليمي لإيران، ويأمل الرئيس الأمريكي في إعادة انتخابه نوفمبر 2020 من اجل مواصلة التصعيد حيال الجمهورية الإسلامية الإيرانية.