المركزية الأفريقية

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

يرى أبرز فلاسفة ومفكري الغرب أن الإنسان الغربي يمتلك مقومات ثقافية وفكرية وحضارية تجعله متفوقًا على الإنسان الشرقي. وتُعد هذه الفكرة ركنًا أساسيًا في الفكر الغربي، وتعود إرهاصاتها إلى مرحلة عصر النهضة في أوروبا. ففي ذاك الوقت، قرر الفلاسفة أن أوروبا هي أم الحضارات والتقدم والعلوم والفلسفة والفكر، وهمّشوا في كتاباتهم إسهامات الحضارة المصرية القديمة وحضارات الشرق القديم، ونظروا إليها بوصفها مرحلة بدائية اندثرت.

وبرزت فكرة النظر إلى شعوب أفريقيا وآسيا على أنها في منزلة أدنى من البشر ويمكن التعامل مع أبنائها بوصفهم كائنات لم تصل في سلم الارتقاء البشري إلى ما وصل إليه باقي البشر.

المركزية الأوروبية والحركة الصهيونية

أُطلق على هذه الفكرة اسم نظرية “المركزية الأوروبية” التي تنص على أن الحضارتين اليونانية والرومانية هما أول حضارات حقيقية سعت إلى رفعة الإنسان والسمو بطريقة تفكيره. وكانت “المركزية الأوروبية” وما تحمله من أن الإنسان في الشرق أقل منزلة من نظيره الغربي الظهير الفلسفي للاستعمار الغربي للقارتين الأفريقية والآسيوية.

وبينما لم يفكر كاتب أو مفكر أو مؤرخ شرقي أو مصري واحد في الرد على أيديولوجيا “المركزية الأوروبية” وما تقوم به من حرب إلغاء وإبادة ثقافية وتاريخية وأثرية للحضارة المصرية القديمة العمود الفقري لتاريخ الأمة والدولة المصرية، فإن الغرب شهد العديد من الكتابات النقدية لفكرة المركزية المصرية، خاصة فيما يتعلق بالدور المصري ليس في البدء بالتاريخ الإنساني فحسب، ولكن أيضًا أن الحضارتين اليونانية والرومانية قد نهلت واغترفت واقتبست علومها وثقافتها وأنظمتها السياسية وفلسفتها بل وحتى بعض اللغات والأديان من الحضارة المصرية القديمة.

وتُعد الأيديولوجيا الصهيونية من آخر منتجات المركزية الأوروبية، التي قل ذكرها أو نفوذها في المختبرات الأيديولوجية الغربية، مقابل صعود أيديولوجيا الأمركة ثم العولمة الأمريكية في القرن العشرين، وإن ظلت المركزية الأوروبية إحدى مرجعيات الفكر الغربي عمومًا بما في ذلك العولمة الأمريكية في نسختها الأولى.

وحينما صنع الغرب الحركة الصهيونية بوصفها ممثل “اليهودية السياسية” والجناح اليهودي للنظام العالمي، استثمر الغرب “المظلومية اليهودية التاريخية” التي تمثلت في قيام الدول الأوروبية بتهجير وتنكيل وقتل يهود أوروبا وروسيا في مناسبات عديدة على مدار مئات السنوات، وأنه حان الوقت للغرب بأن يكفر عن خطيئته حيال اليهود، وذلك عبر مساعدتهم بالعودة إلى أرض الميعاد في فلسطين، وتأسيس دولة إسرائيل.

بينما يصدر ملوك أوروبا وباباوات روما فرمانات الطرد واحدًا تلو الآخر عبر ألف عام، كانت الدولة الإسلامية في الأندلس ومصر والشام وحتى الدولة العثمانية والعراق تستضيف اليهود الهاربين من أوروبا، ويلتحمون مع يهود الشرق. وبينما كانت الحملة الصليبية الألمانية تقوم بتعميد اليهود قسرًا في مياه نهر الراين لاعتناق الكاثوليكية، كان اليهود في مصر مستشارين في بلاط الحاكم، وصولًا إلى أن أهم مستشار لحاكم مصر صلاح الدين الايوبي هو اليهودي موسي بن ميمون.

ومن أجل ضرب تلك العلاقات التاريخية، خصوصًا أن الغرب كان يستعد نهاية القرن التاسع عشر إلى مارثون طويل من استعمار الشرق الأوسط على ضوء أفول الدولة العثمانية، كان يجب زرع حاجز ديموغرافي بين ضفتي إمبراطورية الشرق التي طالما هزمت الغرب، أي قطع الاتصال بين مصر من جهة، والشام والأناضول من جهة أخرى.

ولم يكن ذلك يحدث إلا عبر زراعة شعب وقومية مصطنعة في منطقة وسطية بين الضفتين، وهكذا تم صناعة الحركة الصهيونية وادعاء أن يهود روسيا وأوروبا وأمريكا أبناء قبائل التتار الخزر، واليهود هم أبناء القبائل الإسرائيلية القديمة التي أبادها الأوروبيون على مدار مئات السنين منذ الحكم اليوناني للشام وصولًا إلى الحملة الألمانية الصليبية.

هكذا نفذ الجلاد الغربي القصاص لليهود عبر إحياء فكرة أرض الميعاد وطمس القومية الفلسطينية بقيام دولة إسرائيل، بدلًا من أن يقوم الجلاد الغربي بمحاكمة ذاتية، إلا أن الموضوع برمته كان استغلالًا وتسييسًا للمظلومية اليهودية التي لم يتسبب بها شعوب الشرق بل إن الشعوب الغربية هي التي حملت –وحتى اليوم بنسب متفاوتة- تطرفًا بغيضًا حيال اليهود، ومارست القتل الممنهج والإقصاء بحقهم، ولفظهم إلى أقب “جيتو” في تطرف ديني وقومي حاولوا لاحقًا تصديره ونسبه إلى شعوب المشرق.

أفارقة الإمبريالية الغربية.. سود القارة الأمريكية

وللمفارقة فإنه وبينما تصنع أوروبا الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر من أجل صناعة “يهود موالين للنظام العالمي” بعيدًا عن اليهود المدركين لأن معركة تمكين اليهود سياسيًا يجب أن تكون في الأمم الأوروبية التي نبذتهم، فإن دوائر غربية أخرى في الولايات المتحدة كانت تسعي منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى تأسيس طائفة عرقية من “السود الموالين للنظام العالمي والحكومة الأمريكية البيضاء”. وهي فكرة راحت أهميتها تتضخم لدى شبكات المصالح الغربية التي تدير النظام العالمي؛ لتكون هناك “نخب سوداء” قادرة على استكمال دور “النخب البيضاء” متى تم الاحتياج إليها.

المثقفون الأمريكيون من أصول أفريقية أو ما يطلق عليه عرقية “الأفريكان أمريكان” ابتكروا في نهاية القرن التاسع عشر نظرية المركزية الأفريقية (Afrocentrism, Afrocentricity) والتي تعد في واقع الأمر مجرد نسخة سوداء من المركزية الأوروبية البيضاء، كليهما يعمل على سيادة الغرب ضد الشرق وضد أفريقيا وآسيا على وجه التحديد.

تحاول المركزية الأفريقية أو الفاشية السوداء نسب كل علوم العالم إلى الشعب الأفريقي الذي عاش واستوطن مصر بدلًا من شعبها البدائي الهمجي، وأن هذا الشعب الأفريقي هو صاحب الحضارة المصرية القديمة، ولكن عقب ذلك جرى الغزو اليوناني والروماني والعربي والإسلامي ما جعل الشعب الأفريقي –المصري الأصلي– يهرب من مصر إلى أفريقيا والعالم، بينما الشعب الموجود في مصر اليوم هو أبناء المستعمرين لمصر. مع الحديث عن أن الغرب يخفي أسرارًا علمية حول الأصول الأفريقية للحضارة المصرية من أجل إخفاء تفوق الرجل الأفريقي الأسود على الرجل الأوروبي الأبيض.

إن الملاحظ هنا هو مدى التشابه بين خطوات تصنيع “يهود العولمة” و”سود العولمة” أو “أفارقة العولمة”، ففي الحالتين كان الجلاد هو الذي يصنع نسخة من الضحية موالية له. أوروبا التي ذبحت اليهود وأمريكا التي استعبدت السود، كلاهما وظف مظلومية حقيقية يعرفها كل من قرأ تاريخ اليهود في أوروبا أو السود في أمريكا. كلاهما استهدف دولة في الشرق الأوسط وادعى أن لها شعبًا أصليًا واسمًا قديمًا.

أوروبا نصت أن يهود الشتات هم سكان فلسطين الأصليين، وأن اسمها الحقيقي هو إسرائيل. وأمريكا نصت أن سود الشتات هم سكان مصر الأصليين وأن اسمها الحقيقي هو كيميت. كلاهما ينادى بعودة أهل الشتات إلى أرض الميعاد. المركزية الأوروبية دعمت الشتات اليهودي بالعودة إلى أرض الميعاد في الشام، والمركزية الأفريقية تنادي بعودة الشتات الأفريقي إلى أرض الميعاد في مصر.

تم توظيف الأصول المصرية للحضارة اليونانية والرومانية بوصفها “الأصول الأفريقية لأوروبا والمركزية الأوروبية” و”الأصول الأفريقية للحضارة المصرية واليونانية والرومانية”. وحينما تم نشر تلك الأصول في كتاب ضخم في أمريكا حمل عنوان “أثينا السوداء” وليس “أثينا المصرية”، في إشارة إلى الأصول السوداء وليس المصرية لحضارة أثينا.

وحتى المؤرخ الأمريكي بيتر جران رغم نقده للمركزية الأوروبية إلا أنه حينما نشر أبحاثه حول الأصول المصرية للثورة الصناعية والرأسمالية، ذكر أنها أصول “إسلامية” ولم يقل مصرية؛ إذ كان ذكر القومية المصرية أو “الأصول المصرية” لأي شيء هو أمر محرم في المحافل الأكاديمية والبحثية الأمريكية.

إن اقناع شعب كامل من شعوب الولايات المتحدة الأمريكية هو قومية “الأفريكان أمريكان” بأنه الساكن الأصلي القديم لمصر هو حرب باردة ثقافية في منتهى الخطورة، خصوصًا حينما يصبح لهذه الأيديولوجيا رواج بين “الأفارقة الأوروبيين” أو جيراننا السود في القارة الأفريقية.

ويكفي أن نرى حملات إلكترونية جرت خلال عام 2020 تطالب بأنه يجب هدم الأهرامات المصرية وكافة الآثار المصرية القديمة لأنها بُنيت على يد العبيد اليهود، تمامًا كما تم هدم تماثيل تجار العبيد في أوروبا خلال عام 2020، لكي نفهم أن هنالك “أيديولوجيا استعمارية” كاملة تم إعدادها لإبادة القومية المصرية والحضارة المصرية القديمة ثقافيًا ثم عمليًا على الأرض، عبر استعداء الشعوب السوداء سواء في القارة الأفريقية أو العرقيات السوداء الهجينة في أوروبا وأمريكا ضد مصر.

نقد المركزية الأفريقية

المؤرخ الأمريكي كلارنس والكر Clarence E. Walker أشار إلى أن المركزية الأفريقية ما هي إلا نسخة سوداء من المركزية الأوروبية بنفس التطرف العرقي Eurocentrism in blackface وتستند إلى أساطير رجعية وعنصرية بلا سند تاريخي أو علمي واحد، ولا تعترف بالتعددية الثقافية تمامًا كما فعلت المركزية الأوروبية. كذا المؤرخ الغاني كوامي انتوني أبياه Kwame Anthony Appiah الذي كتب أن المركزية الأفريقية تسعى إلى استبدال المركزية الأوروبية بنفس المنهج العرقي والهرمي والاستعلاء القومي.

إن الولايات المتحدة الأمريكية ولاحقًا فرنسا وبلجيكا تحاول علاج الأزمة الديموغرافية التي جرت على أراضيهم باستقبال أعداد من المهاجرين السود، حتى أصبح هؤلاء هم الأغلبية المستقبلية لتلك الدول. ويأتي العلاج بادعاء وجود “الوطن الأم” أو “عمق تاريخي وأصلي” يجب البحث عنه بالعودة إلى أفريقيا. وكما تخلصت أوروبا من اليهود عبر إرسالهم إلى فلسطين فإن المخطط الذي يلوح في الأفق هو العمل على إضعاف مصر واستيطانها بالسود العائدين إلى “كيميت” من أمريكا وأوروبا.

المؤرخ يعقوب شافيت Yaacov Shavit يقول إن ما يجرى هو “محاولة لكتابة تاريخ البشرية بشكل شامل من وجهة نظر “الأفرو أمريكان”، أما العالم الأنثروبولوجي والمؤرخ الأمريكي مانينج مارابل Manning Marable فقد كتب: “كانت النزعة الأفرو مركزية الشعبوية هي النظرية الاجتماعية المثالية للبرجوازية الصغيرة السوداء المتحركة صعودًا. لقد منحهم إحساسًا بالتفوق العرقي والأصالة الثقافية، دون الحاجة إلى الدراسة الجادة والنقدية للحقائق التاريخية. لقد قدمت مخططًا فلسفيًا لتجنب الصراع الملموس داخل العالم الحقيقي”.

الملك سنوسرت الثالث قاهر المركزية الأفريقية

إن تاريخ الملك المصري سنوسرت الثالث أحد ملوك الأسرة الثانية عشر من الدولة المصرية الوسطى والذي حكم مصر قرابة الأربع عقود من الزمان يرد بجلاء على نظريات المركزية الأفريقية، وهو الملك الذي غزا معاقل القبائل الأفريقية على حدود مصر الجنوبية لتأمين منابع نهر النيل، وزحف إلى آسيا من أجل تأديب بدو آسيا الذين دأبوا على الإغارة على الحاميات العسكرية المصرية في شبه جزيرة سيناء. وأقام أيضًا قلعة مصرية في ساحل الشام أو لبنان كما نعرفه اليوم وكما أطلق عليه قدماء اليونان بلاد فينقيا.

وتكمن أهمية تلك السنوات، في نص مكتوب على لوحة “الحدود الخالدة” يقول:

لقد جعلت تخوم بلادي أبعد مما وصل إليه أجدادي، ولقد زِدت في مساحة بلادي على ما ورثته، وإني ملك يقول وينفذ، وما يختلج في صدري تفعله يدي، وإني طموح إلى السيطرة، وقوي لأحرز الفوز، ولست بالرجل الذي يرضى لبه بالتقاعس عندما يعتدَى عليه، أهاجم من يهاجمني حسب ما تقتضيه الأحوال، وإن الرجل الذي يركن إلى الدعة بعد الهجوم عليه يقوِّي قلب العدوِّ، والشجاعة هي مضاء العزيمة، والجبن هو التخاذل، وإن من يرتد وهو على الحدود جبان حقٍّا. ولما كان الأسود يحكم بكلمة تخرج من الفم، فإن الجواب الحاسم يردعه، وعندما يكون الإنسان ماضي العزيمة في وجهه الأسود فإنه يولي مدبرًا؛ أما إذا تخاذل أمامه فإنه يأخذ في مهاجمته.

وفى بردية تحمل اسم الملك يقول:

إن السود ليسوا بقوم أشداء ولكنهم فقراء كسيرو القلب، ولقد رآهم جلالتي، وإني لست بخاطئ في تقديري، ولقد أسرت نساءهم، وسُقت رعاياهم، واقتحمت آبارهم، وذبحت ثيرانهم، وحصدت زرعهم؛ وأشعلت النار فيما تبقى منها. وبحياتي وحياة والدي لم أنطق إلا صدقًا، دون أن تخرج من فمي فرية. وكل ولد أنجبه ويحافظ على هذه الحدود التي وصل إليها جلالتي يكون ابني، وولد جلالتي، وألحِقه بنسبي، وإن من يحافظ على تخوم الذي أنجبه يكون منتقمًا لأبيه حقًّا، أما من يتخلى عنها، ولا يحارب دفاعًا عن سلامتها فليس ابني ولم يولد من ظهري.

وفى جنوب مصر، نصب الملك تمثالين بطول عشرين مترًا ما يعد أول ظهور لتماثيل بهذا الطول في تاريخ مصر. وكان الغرض من التماثيل بحسب اللوحات المرافقة هو تخويف شعوب الجنوب من محاولة العدوان على الحدود الجنوبية، وقد وُجد على إحدى لوحات التمثالين نص يقول: “لكي يمنع أي زنجي من أن يعبرها عن طريق البر أو النهر على قارب أو على قطعانه من الماشية، إلا عبر تصريح خاص”.

سنوسرت الثالث أول من حفر قناة تربط البحرين الأبيض والأحمر، فاتح سوريا ولبنان وفلسطين كما نعرفهم اليوم، يوضح في آثار عصره أن “قدماء المصريين” نظروا إلى الأفارقة بوصفهم “الأسود” و”السود” و”الزنجي”، ما يعني عمليًا أن المصريين وقتذاك لم يكونوا سود البشرة، وإلا لما كانت تلك الملحوظة أو المسمى الذي يطلقه المصريون على قبائل الحدود الجنوبية.

إن الادعاءات بان مصر اسمها كيميت، أو أن النوبة أو شعب أفريقيا هو أصل الحضارة المصرية هي سلسلة ادعاءات أمريكية من أجل تضميد جراح الانقسام العرقي في المجتمع الأمريكي، ومن أجل إنتاج الفاشية السوداء التي سوف تكمل مهام الفاشية البيضاء في المشروع الأمريكي والعالمي.