الولايات الكونفدرالية الأمريكية

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

في القرن التاسع عشر، وبينما الثورة الصناعية الأولى تنهى اعمالها بنجاح، وتبدأ مختبرات الرأسمالية العالمية في انتاج آلات وتقنيات سوف تعنون لاحقاً باعتبارها الثورة الصناعية الثانية وهى حقبة ما بين عامي 1870 وبدء الحرب العالمية الأولى

عام 1914، كانت الشركات العالمية والمصالح الاقتصادية التي تحكم عملياً النظام العالمي امام مشكلة ضخمة الا وهى الايدي العاملة الرخيصة تحت مسمى الرق او العبودية، تلك الايد العاملة التي تجعل ارخص تقنية او آلة في العالم وقتذاك باهظة الثمن مقارنة بشراء بضعة عبيد سود واستخدامهم مدى الحياة، وفي نفس الوقت فأن الايد العاملة لا تنتج بكثافة الآلة وبالتالي فأن استمرار تلك الايدي العاملة معرقل لتمدد أرباح الرأسمالية العالمية.

ونظراً لأن شبكات المصالح الغربية تلك لا تفصح ابداً عن اجندتها، بل تستخدم أدوات سياسية واقتصادية وفكرية، نشأ في القرن التاسع عشر حركة حقوقية ضخمة تدعو الى تحرير العبيد وإلغاء الرق، وللمفارقة فأن الرأسمالية الدولية التي غزت افريقيا والقارة الامريكية الجديدة واستعبدت السكان الأصليين لأمريكا وجلبت العبيد من افريقيا الى أوروبا ثم المستعمرات الامريكية، هي التي قادت لاحقاً ومولت حركات تحرير احفاد العبيد الأوائل بعد ان انتهى الغرض منهم واصبح استخدامهم الرخيص يعرقل تمدد وشراء العالم للآلات الصناعية الضخمة.

دائماً ما يكون قناع الانسانيات والتحرير والحرية هو القناع المستخدم لأجندة النظام العالمي، وللمفارقة فأن أكثر دولة عارضت تحرير العبيد كانت الجمهورية الجديدة في القارة الامريكية التي استطاعت ان تتحول الى لاعب رئيسي في نطاقها الجغرافي الا وهي الولايات المتحدة الامريكية.

الصراع في الولايات المتحدة اندلع ما بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي، حيث كانت الرأسمالية الصناعية في الشمال تريد التخلص من العبيد والرقيق، واستبدالهم بالمصانع العملاقة، لان تلك المصانع تنتج أسرع واتقن من العنصر البشري، على ان يتحول العنصر البشري الى عامل في المصنع بدلاً من ان يكون بديلاً للمصنع، كما حدث لاحقاً وحتى اليوم في عصرنا الحالي.

بينما الاقطاع الريفي وملاك الأراضي في الجنوب الزراعي الأمريكي قد رفضوا الزحف الرأسمالي التكنولوجي ابن الثورة الصناعية الأولى، وارهاصات الثورة الصناعية الثانية التي اختارت ان تكون الولايات المتحدة هي اشرس جبهاتها، وبدأت مناقشات مجتمعية عنيفة، بين مثقفي وساسة الشمال والجنوب، ما بين مثقفو الشمال المتحدثون دائماً عن الإنسانية الخلابة المعذبة في الجنوب والحداثة الأوروبية التي يجب على الولايات المتحدة ان تلحق بها بل ان تسيطر عليها وتتسيد النظام الرأسمالي العالمي وان تحتضن شبكات المصالح الغربية داخل الأراضي الامريكية – وهو ما حدث حرفياً بعد ذلك، بينما مثقفو الجنوب تحدثوا عن نظام التعايش بين مالك الأراضي والعبيد وان نظام الرق لا يعني اذلالاً للعاملين في تلك الأراضي والبيوت وان هنالك مئات النماذج لعبيد سود لا يريدون "الانسانيات المزعومة" و"خطاب المنظمات الحقوقية المشبوهة" للثورة الصناعية الجديدة.

وبدا واضحاً امام النظام العالمي انه الغاء الرق في الولايات المتحدة لن يكون قراراً سهلاً، يصدره الكونجرس في جلسة مشتركة وسط احتفال شعبي بهيج، وان الامر بحاجة الى قرار سيادي صعب، من رئيس يقف خلفه الجيش والدستور والكونجرس والاهم ان يتوحد المجتمع الدولي خلف هذا الرئيس.

الولايات المتحدة دولة هشة ينهشها فيروس الانفصال

الصراع السياسي بين الولايات الشمالية والولايات الجنوبية، أدى الى انهيار الأحزاب السياسية في أمريكا وصعود أحزاب جديدة، انهار الحزب اليميني، وحزب اللاادرية Know-Nothing Party الذي كان يعارض هجرة المسيحين الكاثوليك للولايات المتحدة على اعتبار ان أمريكا هي مملكة الانجيليين بعد ان أفسد الكاثوليك مملكة الرب في روما وعموم أوروبا.

ونشأ في تلك الحقبة الأحزاب الامريكية التي نعرفها حتى اليوم، حزب الاتحاد والحزب الحر والحزب الجمهوري، ولاحقاً انشق الحزب الديموقراطي عن الحزب الجمهوري وشكلا الثنائية الحزبية الحاكمة للولايات المتحدة الامريكية منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم.

وسط تلك الفوضى السياسية، بحث زعماء الولايات الشمالية عن سياسي لديه كاريزما ومؤمن بالخطاب الحقوقي والإنساني لتحرير العبيد، وكانت ضالتهم في المحامي ابراهام لينكولن، رغم سجل فشله الكبير الا ان ساسة الشمال رأوا في فشله درعاَ ضد استقلاله عن شبكات مصالح الولايات الشمالية.

لينكولن (1809 – 1865) ابن ولاية كنتاكي، ينطق اسمه لينكن، ورث العمل في القانون والمحاماة عن والده أستاذ القانون، ونشط في أوساط حزب اليمين/الحزب اليميني Whig Party، ودخل مجلس النواب لمدة عامين فحسب، 24 شهراً، فشل فيهم في ترك بصمة سياسية او حزبية او برلمانية، ما بين مارس 1847 ومارس 1849، وحاول الظفر ببطاقة الترشح لمجلس الشيوخ وفشل.

لعب لينكولن في شبابه دور الناشط الحقوقي، عارض الحرب الامريكية المكسيكية وعارض الرئيس جيمس بولك بسبب شنه تلك الحرب، ولكن الولايات المتحدة انتصرت ما جعلت شعبية لينكولن في ولايته الوحيدة بالكونجرس وفى دائرته الانتخابية في أسوأ احوالها، فانسحب أواخر اربعينات القرن التاسع عشر من العمل السياسي وعاد لممارسة المحاماة بعد تجاربه السياسية الفاشلة، علماً بأن الحرب الامريكية المكسيكية (1846 – 1848) حافظت على استقلال جمهورية تكساس وحمت جمهورية كاليفورنيا، ما مهد لاحقاً لطلب انضمام الجمهوريتين للولايات المتحدة واليوم تكساس وكاليفورنيا ولايتين من ثلاث ولايات – الثالثة هي نيويورك – تنفق على كامل الجمهورية الامريكية وتصنع مجد الولايات المتحدة العالمي.

وكانت معارضة ابراهام لينكولن للحرب الامريكية على المكسيك من أبرز أسباب انهيار وتفكك واندثار حزب اليمين الذي كان جزء من الطبقة السياسية الحاكمة في أمريكا واخرج للبيت الأبيض أربع رؤساء.

صناعة اسطورة ابراهام لينكولن

التقط زعماء الولايات الشمالية لينكولن من فشله، على ضوء خطاباته السياسية التي القاها في الكونجرس خلال الـ 24 شهراً، رسخ فيهم لينكولن انه رجل صاحب أسلوب خطابي مميز وحداثي عمن حوله، وكاريزما وأفكار حقوقية ضد العنصرية بحاجة الى من يدعمها.

هكذا وجد المحامي الشاب من يدعمه للعودة الى مجتمع واشنطن والنخبة الامريكية مرة أخرى، وكانت التوصيات واضحة للمحامي الشاب بأن يركز تلك كاريزما وخطابته في ملف الغاء الرق وعدم النقاش في أمور أخرى تمهيداً لدور قادم في الطريق، وتم اهدائه عضوية الحزب الجمهوري الجديد والاهتمام بأخباره وأحاديثه عبر الصحف، رغم انه لم يكن مفكراً او مثقفاً او وزيراً او حتى عضواً في الكونجرس بل سياسي فشل في الحفاظ على مقعده في مجلس النواب وفشل في الظفر بمقعد في مجلس الشيوخ بل وتسبب في انهيار حزبه العريق!

ومع حلول عام 1860، أصبح لينكولن نجماً لامعاً في الحزب الجمهوري، وللمفارقة فأن الجناح المتشدد داخل الحزب كان يراه متساهلاً مع الولايات الجنوبية التي يجب قمعها بشدة ولكن لينكولن كان يرى انه يجب وأد الازمة وانهاء دعوات انفصال الجنوب التي راحت تتصاعد.

وكان رأى لينكولن هو الذي جعل النظام العالمي يراه رجل المرحلة، اذ النظام العالمي لا يريد رجل حرب يمحو الجنوب الأمريكي من الوجود، ولكن رجل سياسة يفتح الجنوب الأمريكي امام الثورة الصناعية، رجل مصالحة سياسية ووطنية، لذا في صيف عام 1860 وبتوصيات دولية من الشبكات الرأسمالية والمصالح الاقتصادية الغربية التي تقود النظام العالمي، اعتمد الحزب الجمهوري ابراهام لينكولن المغمور سياسياً باستثناء خطابته الكاريزمية ليصبح مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة في 6 نوفمبر 1860.

تحولت انتخابات نوفمبر 1860 الى حرب أهلية عبر صناديق الاقتراع، تمهيداً للحرب العملية على الأرض، منافس لينكولن لم يكن الا جون بريكنريدج من حزب الجنوبيين الديموقراطيين Southern Democrats ، أي ان الانقسام الأمريكي وصل الى ان مرشح الولايات الشمالية يواجه مرشح الولايات الجنوبية في محاصصة مناطقية تقوم أمريكا اليوم بتصديرها الى دول العالم تحت مسمى الديموقراطية والفيدرالية كما فعلت الإدارة الامريكية للعراق وأفغانستان إضافة الى مباركة الإدارات الامريكية في عشرينات واربعينات وتسعينات القرن العشرين لاتفاقيات المحاصصة الطائفية في لبنان.

انتخابات الرئاسة نوفمبر 1860 قد تحولت الى معركة صفرية، بمعني انه لو فاز جون بريكنريدج فأنه سوف يلغى كافة القوانين الداعية لإلزام الولايات الامريكية بإلغاء الرق، بينما لو فاز ابراهام لينكولن فأن هنالك قانون فيدرالي جاهز لإلغاء الرق وبالتالي فأن الولايات الجنوبية سوف تنفذ تهديدها بإعلان الاستقلال تحت اسم الولايات الكونفدرالية الامريكية.

وللمفارقة فأن جون بريكنريدج أيضاً من ولاية كنتاكي مثل لينكولن، ولكنه كان نائب الرئيس وقتذاك وذو تاريخ طويل، ولاحقاً أصبح وزير الحربية في الولايات الكونفدرالية الامريكية.

ورغم أهمية الانتخابات التي كانت في واقع الامر تصويتاً على مستقبل البلاد ووحدتها الفيدرالية والوحدة الوطنية للشعب الأمريكي، الا ان الأرقام تحمل لنا تدني واضع في الوعي الشعبي الأمريكي في هذه العصور التي كانت فيها الولايات المتحدة دولة ريفية صاعدة، في التصويت الشعبي ظفر لينكولن بـ 39.8 % فحسب ممن يحق لهم التصويت مقابل 18.1 % صوتوا لمنافسه، بينما ظفر ستيفان ارنولد دوجلاس من الحزب الديموقراطي بـ 29.5 % من الأصوات.

اعلان قيام الولايات الكونفدرالية الامريكية

وبينما يستعد البيت الأبيض لاستقبال ابراهام لينكولن في مارس 1861، وتوديع حقبة الرئيس جيمس بيوكانان، أعلن في فبراير 1861 عن انفصال الولايات الجنوبية الرافضة لقوانين الغاء الرق، وقيام الولايات الكونفدرالية الامريكية.

تشكلت الكونفدرالية في الأصل من قبل سبع ولايات هي: ساوث كارولينا وميسيسبي وفلوريدا وألاباما وجورجيا ولويزيانا وتكساس، بعد أن بدأت الحرب بين الولايات المتحدة والولايات الكونفدرالية في أبريل 1861 او ما اسماه المنتصر في كتب التاريخ بالحرب الاهلية الامريكية، انفصلت أربع ولايات هي فرجينيا وأركنساس وتينيسي ونورث كارولينا، وقبلت الكونفدرالية في وقت لاحق ميسوري وكنتاكي اثناء الحرب، لتشمل الكونفدرالية 11 ولاية من أصل 34 ولاية تشكل الولايات الامريكية وقتذاك.

الخطاب الأيديولوجي لزعماء الكونفدرالية كان دفاعاً صريحاً عن تفوق الرجل الأبيض على الرجل الأسود، وان الرق والعبودية هو امر طبيعي يتسق مع الطبيعة التي خلقها الله للكون، وللسخرية فأن كل هذه العنصرية والتطرف كان يخفى خلفه غرضاً اقتصادياً، تماماً كما كان الخطاب الحقوقي والإنساني للولايات المتحدة يخفى خلفه غرضاً اقتصادياً، وكان غرض الكونفدراليين هو الحفاظ على صناعة القطن والزراعة بوجه عام من هيمنة النظام العالمي والثورة الصناعة الجديدة ورأسمالية الشمال الصناعي.

اجتمع المجلس التأسيسي بمدينة مونتجومري بولاية الاباما، التي أصبحت عاصمة الكونفدرالية، وانتخبوا جيفرسون فينس ديفيز رئيساً للجمهورية الامريكية الجديدة، وألكسندر هاملتون ستيفنز نائباً له، وكلاهما ظل في منصبه حتى تفكيك الكونفدرالية.

جيفرسون ديفيز كان بطلاً قومياً في أمريكا، خاصة في الجنوب، شغل منصب وزير الحربية وخدم بالجيش حتى وصل الى رتبة عقيد، وشارك في الحرب الامريكية المكسيكية وحروب إبادة الجيش الأمريكي للسكان الأصليين لأمريكا او ما أطلق عليه المنتصر في كتب التاريخ حرب أمريكا مع الهنود الحمر.

وللمفارقة ورغم ان ديفيز كان مؤيداً للكونفدرالية، الا ان خبرته العسكرية جعلته يدرك ان اعلان الانفصال سوف يعقبه حرب شرسة مع الولايات المتحدة، وكان يرغب في ان ينتخبه المؤتمر التأسيسي للكونفدرالية وزيراً للحربية او قائداً عاماً لجيش الكونفدرالية من اجل قيادة العمل العسكري بشكل مباشر، حتى ان زوجته وفقاً لكتاب "الأمريكي جيفرسون ديفيز" Jefferson Davis, American للمؤرخ ويليام كوبر الصادر عام 2000 قالت في مذكرات لها ان زوجها قد اطل من عينه الحزن حينما استقبل برقية المؤتمر التأسيسي بانتخابه رئيساً للجمهورية الامريكية الجديدة، حتى انها ظنت ان شراً قد أصاب العائلة.

تأسست الولايات الكونفدرالية الامريكية في 8 فبراير 1861 ورفض الكونجرس الأمريكي لاحقاً هذا الإعلان وذاك الاستقلال مؤكداً عدم دستورية انفصال الولايات الجنوبية، ذلك الكونجرس الذي يدعم اليوم كل زقاق يحاول الانفصال او الاستقلال في الشرق الأوسط والاقصى والادنى والقوقاز والبلقان وآسيا الوسطى وصولاً الى أمريكا الوسطي وامريكا الجنوبية.

أدى الرئيس جيفرسون ديفيز اليمين الدستوري في 22 فبراير 1861، أدي الرئيس ابراهام لينكولن اليمين الدستوري في 4 مارس 1861، وفى 12 ابريل 1861 اندلعت الحرب الاهلية الامريكية.

The Confederate States of America (CSA)

اندلاع الحرب الاهلية

أطلقت الكونفدرالية الامريكية على الحرب اعلامياً مصطلح "حرب استقلال الجنوب الأمريكي"، وبعض مثقفي الجنوب أطلق عليها "الثورة الامريكية الثانية"، على اعتبار ان الثورة الأولى كانت ثورة تأسيس الولايات الامريكية وبدء طرد بريطانيا من القارة الامريكية، وبعض مثقفي أوروبا أطلق عليها "حرب الولايات الامريكية".

شبكات المصالح الغربية والنظام العالمي الرأسمالي أغدق على الولايات المتحدة بالمساعدات التكنولوجية من اجل حسم الحرب، خاصة ان الولايات الكونفدرالية كانت تمتلك اسطولاً قوياً وجيشاً برياً نظمه العشرات من جنرالات الجيش الأمريكي الذين شاركوا في ثورة انفصال الجنوب، تعدّ الحرب الأهلية الأمريكية من أوائل الحروب الصناعية الحقيقية. حيث استخدمت فيها بشكل مكثف السكك الحديدية، التلغراف، البواخر، وإنتاج الأسلحة الضخم.

وقد ظهر أثر استنفار المصانع المدنية، الألغام، أحواض بناء السفن، البنوك، وسائل النقل والإمدادات الغذائية في التحول الصناعي في الحرب العالمية الأولى، ما جعل الحرب الاهلية الامريكية بمثابة حرب أهلية بالوكالة بين اجنحة النظام العالمي الرأسمالي.

لم تحقق الولايات الكونفدرالية انتصاراً يذكر في الحرب، رغم بعض الانتصارات مرحلية في شرق وشمال الولايات المتحدة، ولكن الجنرال يوليوس جرانت حسم الجبهة الغربية مع الكونفدرالية ثم توحدت الجيوش الامريكية تحت إمرته، وهو نفس الجنرال الذي استسلم له الجيش الكونفدرالي في 9 ابريل 1865.

أعلن استسلام الولايات الكونفدرالية الامريكية في 26 ابريل 1865 وانتهاء الحرب الاهلية الامريكية في 9 مايو 1865 وحل الولايات الكونفدرالية الامريكية في 5 مايو 1865، وبدء دمج واعمار الولايات الجنوبية الانفصالية في المجتمع الأمريكي مرة أخرى.

راح ضحية هذه الحرب 110 ألف جندي من الشمال و93 الف جندي من الجنوب، وربع مليون مدني من الشمال و 167 الف مدني من الجنوب، أي ان 620 الف امريكي قد رحلوا بسبب تلك الحرب.

كيف تعاملت واشنطن مع استسلام الكونفدرالية؟

كانت أوامر النظام العالمي لواشنطن صارمة في مضمار التعامل مع الولايات الكونفدرالية عقب استسلامها، وانه يكفي ما جرى في سنوات الحرب الاهلية الامريكية (1861 – 1865) خصوصاً حرق الجيش الأمريكي لكنائس الجنوب المؤيدة للكونفدرالية، وان النظام العالمي لا يريد تنكيلاً بالولايات الجنوبية ولكن يريد فتح سوق الثورة الصناعية الثانية امام الجنوب الأمريكي وانه يكفى إقرار الغاء الرق وتحرير 4 مليون عبد من أصول افريقية من اجل إعادة تأهيلهم للعمل في مصانع الثورة الصناعية الجديدة.

ومن اجل عدم صناعة حساسيات تاريخية او ثقافية، نشرت واشنطن ثقافة الاحتفاء برموز وعلم الكونفدرالية، باعتباره ارث تاريخي يجب الحفاظ عليه والتعليم منه، فلم تمانع واشنطن من بناء التماثيل لساسة الكونفدرالية او اعتبار علم دولة الولايات الكونفدرالية الامريكية جزءاً من التراث الأمريكي او تدريس تاريخ تلك الدولة الجنوبية في المدارس والجامعات الامريكية.

كما تم رفض اصدار قوانين لحظر عمل أعضاء الحكومة الكونفدرالية او القضاء او الجيش الكونفدرالي وأعضاء الحكومة او المجلس التأسيسي في العمل العام، وقد شارك لاحقاً العديد من ساسة ونشطاء وقضاه وجنود الكونفدرالية في الحياة العامة الامريكية كمواطنين امريكان دون تفرقة، بل ان ألكسندر ستيفانز نائب رئيس الكونفدرالية قد انضم الى الحزب الديموقراطي وأصبح عضواً بمجلس النواب ما بين عامي 1873 و1882، ثم حاكماً لولاية جورجيا ما بين عامي 1882 و1883 حيث توفى عن 71 عاماً.

وكان الغرض وراء ذلك ليس التسامح او التصالح ولكن عدم خلق حساسيات تاريخية تمنع اندماج الولايات الجنوبية او الجنوب الزراعي في منظومة الشمال الصناعي، هدف تجاري واقتصادي بحت ارتدي وشاح الانسانيات وحق المواطن في معرفة التاريخ.

جيفرسون ديفيز أول وآخر رئيس كونفدرالي

في 5 مايو 1865 التقى الرئيس الكونفدرالي جيفرسون ديفيز بمجلس وزرائه للمرة الأخيرة واعلن حل الكونفدرالية، وبدأ رحلة الفرار مما اسماه أنصاره "الغزو الأمريكي للجنوب"، وكان ديفيز يأمل ان يهرب الى كوبا من اجل إعادة تأسيس الكونفدرالية، ولكن في 10 مايو 1865 القى القبض عليه، وقد عومل بخشونة في بادئ الامر وتعمدت واشنطن ان يظهر في أولى جلسات محاكمته مكبل القدمين بالحديد، ولكن المجتمع الدولي تدخل ثانية خوفاً من توتر اهل الجنوب وبعد عامين من تحديد الإقامة في احدي المقرات العسكرية تحت مسمي السجن تم الافراج عنه بكفالة عام 1867.

وفى عام 1868 وبتوصيات من النظام العالمي قائد الثورة الصناعية الجديدة أصدر الرئيس الأمريكي اندرو جونسو عفواً عاماً عن كل من شارك بالتمرد، وأصبح جيفرسون ديفيز مواطناً عادياً حتى وفاته عام 1889 عن 81 عاماً، وللمفارقة فأن ديفيز كما لينكولن قد ولد في ولاية كنتاكي ولكن ديفيز من مواليد عام 1808 قبل ثمانية أشهر فحسب من ولادة لينكولن على بعد 160 كم من مقر ولادة ديفيز.

عقب الافراج عنه سافر لفترة الى كيبك في كندا حيث فر بعض افراد اسرته واقام جولة في القارة الأوروبية، وعاش حياة مالية وشخصية فقيرة وقاسية، حيث لم تصرف له الحكومة الامريكية المعاش الذي يستحقه كعضو سابق في الكونجرس ووزيراً للحربية وضابط بالجيش، فتوفى شقيقه الأكبر ثم اثنين من أبنائه بسبب المرض ورفضت زوجته الإقامة معه في شقته المتواضعة لبعض الوقت، وحاول إيجاد وظيفة في بريطانيا او كندا.

ومع ايجاده بعض الوظائف في الشركات الخاصة بعيدا عن الدوائر المسيسة، بدأ ديفيز يكتب عن تجربة الكونفدرالية، وكتب تعبيره الشهير "تحالف اليانكي والنيجرو" مشيراً الى ان البيض في الولايات المتحدة استغلوا قضايا السود لتحقيق أغراض سياسية، وان الامر بعيد عن فكرة الحقوق او الحريات وان الكونفدرالية تعرضت لمؤامرة من الكونجرس الأمريكي، وكتب ان ما اسماه الفيدراليين "حقوق السود" جعلت السود اكثر خمولاً عن أداء أعمالهم وغير قابلين للسيطرة او الحكم كما كان في السابق وان حصولهم على حقوقهم كانت "ليلة استبداد" في تاريخ أمريكا.

انتهاء الغرض من ابراهام لينكولن

مع انتصاف عام 1864، واقتراب النصر على الكونفدرالية، بدأ النظام العالمي في ترتيب المشهد الأمريكي لمرحلة ما بعد الحرب الاهلية وما بعد الولايات الكونفدرالية الامريكية، وقد اتفق زعماء شبكات المصالح الغربية ان ابراهام لينكولن ناشط حقوقي جذاب و صاحب أسلوب خطابي شيق، وسوف يكافئه الغرب بتنصيبه ايقونة لحقوق السود في كتب التاريخ، ولكنه ليس رجل الدولة الصالح لقيادة المصالحة والاعمار وتهيئة الولايات الجنوبية لرأسمالية الولايات الشمالية، هو ناشط صالح لكى يكون واجهة حقوقية في البيت الأبيض بينما جنرالات الجيش الأمريكي هم أصحاب السيطرة الحقيقة على الأرض في زمن الحرب الاهلية ولكن سواء في زمن ما قبل او اثناء او ما بعد الحرب فأن ابراهام لينكولن لا يصلح رئيساً للولايات المتحدة الامريكية.

ينص الدستور الأمريكي انه حال وفاة او مرض او استقالة الرئيس، فأن نائبه يكمل ولايته الانتخابية، وحينما أتت انتخابات الرئاسة الامريكية في نوفمبر 1864 ونظراً لان استبدال لينكولن في هذا التوقيت قد يؤثر على معنويات الجيش ويظهر ان هنالك رفض شعبي لنهج تحرير العبيد وتفكيك الكونفدرالية، تم تمرير فوز لينكولن بالولاية الثانية في سهولة ويسر، ولكن النظام العالمي طلب من الحزب الجمهوري استبدال نائب لينكولن، حيث كان نائب الرئيس هو هانيبال هاملين السفير الأمريكي الأسبق في اسبانيا، وهو شخص ضعيف ولم يقوى على فرض شخصيته في سنوات لينكولن بل ان هاملين لم يزر البيت الأبيض طيلة عاملين من اصل اربع سنوات خدم خلالها في منصب نائب الرئيس!

وطلب النظام العالمي تصعيد ضابط بالجيش الأمريكي اسمه اندرو جونسون الى منصب نائب الرئيس، وبالفعل أدى ابراهام لينكولن واندرو جونسون اليمين الدستوري في 4 مارس 1865، وعقب اقل من 40 يوماً من تولى جونسون منصب نائب الرئيس وتحديداً يوم 15 ابريل 1865، اغتيل الرئيس ابراهام لينكولن في حادث يحيط به الغموض حتى اليوم، نظراً لسهولة الحادث وبساطته والإجراءات الأمنية الضعيفة في تلك الليلة حيال رئيس يعرف الجميع انه مستهدف من قبل تمرد في الجنوب ولا تزال الحرب الاهلية مشتعلة.

وبحكم الدستور الأمريكي، في اللحظة التي فارق فيها ابراهام لينكولن الحياة يعتبر نائبه اندرو جونسون رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، وهو رجل صلد له خبرات سياسية وعسكرية عتيدة حيث كان الحاكم العسكري لولاية تينيسي ما بين عامي 1862 و1865 معاصراً معارك الحرب الاهلية، وترك جونسون الجيش برتبة فريق عقب توليه الرئاسة.

وللمفارقة فأن من اشد من ابدى حزناً على ابراهام لينكولن كان خصمه الرئيس الكونفدرالي جيفرسون ديفيز، الذي القى القبض عليه عقب اقل من شهر من اغتيال لينكولن، وصرح ديفيز لرفقائه حينما تلقى خبر لينكولن انه كان يفضل ان يستسلم الجنوب للينكولن لأنه سيكون أكثر رأفة مع الكونفدرالية عن جونسون.

وللمفارقة فأن جونسون بدوره لم يستمر في الحكم الا استكمالاً لولاية لينكولن، وللمفارقة فأن جونسون الرئيس الأمريكي الوحيد الذي رفض تعيين نائباً له، حيث تخوف من ان يكرر النظام العالمي معه ما رأه بعينه مع رئيسه السابق خاصة ان بعض المراجع التاريخية تشير الى ان جونسون متورط في ترتيبات اغتيال لينكولن.

وللمفارقة فأن جونسون لم يكن مرشح في انتخابات الرئاسة نوفمبر 1868 ما افسح الطريق بسهولة لقائد الجيش الجنرال يوليوس جرانت المرضي عنه من قبل النظام العالمي بعد قيادته للجيش الأمريكي طيلة سنوات الحرب الاهلية ليصبح رئيساً منتخباً لولايتين حيث ادي اليمين الدستوري في مارس 1869 ويشهد عصره استقراراً في البيت الأبيض والكونجرس والجيش وتنفيذ خطط اعمار ودمج الكونفدرالية والجنوب الأمريكي في الولايات المتحدة الامريكية.

وللمفارقة فأن الرئيس جرانت حينما توفى نائبه هنري ويلسون في نوفمبر 1875، لم يقم بتعيين او تسمية نائباً له حتى انتهت ولايته الثانية والأخيرة بحكم الدستور الأمريكي في مارس 1877، وخالف جرانت الدستور الأمريكي عاماً وأربع شهور حكم خلالهم الولايات المتحدة دون نائباً.

ان الملاحظ هنا ان كلا الرئيسين، اندرو جونسون ويوليوس جرانت، على ضوء معاصرتهم مؤامرة اغتيال ابراهام لينكولن، قد عزفوا عن تسمية نائب لهم وقت التوترات مع النظام العالمي، ما يوضح لنا الى أي مدي النظام العالمي ليس دول تحكم العالم بل شبكات مصالح تنصاع لها تلك الدول فيتم تسميتها بالدول الكبرى والعظمي، وان قادة الدول الغربية متى تمردوا على النظام العالمي فأن التصفية والاغتيال وترتيب الاضطرابات الشعبية والمسائلة البرلمانية هي أدوات في ايد النظام العالمي لتقليم اظافر الحاكم المتمرد في الغرب قبل الشرق.

وبقيت سيرة وعلم ورموز وثقافة الولايات الكونفدرالية الامريكية حتى اليوم، مرجعية لليمين القومي الأمريكي وحركات الانفصال الجنوبية، والعنصرية البيضاء ضد المواطنين السود والأجانب بوجه عام، ولطالما رفع العلم الكونفدرالي في العديد من المناسبات المتطرفة او عبر المليشيات التي تعبر عن خطاب قومية البيض البروتستانت الامريكان.