بريطانيا والإسلام السياسي

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

عام 1077 قام السلاجقة بغزو آسيا الصغري او ما يعرف بهضبة الاناضول، وهكذا اصبح للدولة الإسلامية السلجوقية حدود مع الإمبراطورية البيزنطية الارثوذكسية الشرقية ، بينما في الغرب هنالك دولة الاندلس منذ عام 711 على ما يعرف اليوم بإسبانيا و البرتغال وجنوب فرنسا و إقليم جبرلتار ( جبل طارق ) البريطاني .

طوقت الدول الإسلامية أوروبا ، ما اثار فزع شبكات المصالح في القارة الأوروبية ، وهو فزع لأسباب سياسية و اقتصادية خالصة بعيدا ً عن الدين ، و جرت الاجتماعات بين قادة شبكات المصالح في عموم أوروبا من رجالات المؤسسات العسكرية و الدينية و النبلاء و الملوك و الشبكات الاقتصادية الكبرى ، من اجل وضع حد لزحف المشرق على الغرب.

صناعة الإسلام السياسي في زمن الحروب الصليبية

القرار الأول المعلن كان الحروب الصليبية، استغلالا للعامل الديني في حقيقة ان دولة الاندلس و دولة سلاجقة الروم يعلنان شعارات دينية ، بينما أسباب الحرب الحقيقية الى جانب النفوذ السياسي و الحفاظ على المكتسبات التجارية كان وجود ازمة اقتصادية في أوروبا و وجد زعمائها ان السعي للظفر بثروات الشرق من جهة و من جهة اخري الدفع بمئات الفقراء في الحروب على أساس ديني سوف يلهى الشعوب عن الثورة ضد حكامهم بعد الازمات الاقتصادية الطاحنة، نحن امام النسخة الاولي من تكتيك "لا صوت يعلو عن صوت المعركة " في مقابل مطالب الإصلاح السياسي و الاقتصادي.

لذا لم يكن غريبا ً ان تندلع الحملة الصليبية الأولى عام 1095 عقب اقل من عشرين عاما ً على وصول السلاجقة لحدود بيزنطة ، و قد استغرق الامر 18 عاما ً عمدت خلالها شبكات المصالح في أوروبا الى التمهيد الثقافي و المذهبي لفكرة استعادة الأراضي المقدسة في فلسطين رغم انها بيد المسلمين منذ القرن السابع، ولكن الاجتماعات في أوروبا وقتذاك اسفرت عن استراتيجية اخري لا تزال وجودة و تستخدم حتى اليوم .

لقد اتفقت شبكات المصالح وجماعات الضغط في أوروبا خلال القرن الحادي عشر، انه لا رفعة لنفوذهم و مصالحهم طالما هنالك دول قوية في المشرق ( الشرق الأوسط بلغة اليوم )، و ان هذه المنطقة لابد ان تغرق دائما ً في الفقر و الجهل و المرض و الحروب و الدماء و الانتكاسات الاقتصادية و التجارية و النهب المنظم لثرواتها و عقولها وخبراتها الحياتية .

وانه حان الوقت للتغلغل في هذه المجتمعات بالجماعات السرية و الإرهابية ، على الا يكون الغرض هو نصر دين او فكرة معينة بل الغرض هو الفوضى الدائمة ، لو كان في بلد الغلبة للدين فأن المؤامرة سوف تكون الاصلاح و لو كان في بلد الغلبة للعلم فأن المؤامرة سوف تكون الجهل ، و لو كان الغلبة للتطور فأن المؤامرة هو الارتداد للتخلف بجماعات دينية لا تتعلق بدين واحد بل بكافة الأديان المتاحة في هذه البلد ، لو الغلبة لمذهب ديني معين فأن المؤامرة هي دعم المذهب الثاني و لو لم يكن موجود فأن على المؤامرة ان تبتكره ، لو الغلبة للدولة الدينية فأن المؤامرة سوف تكون الفكرة القومية ولكن كان الغلبة للدولة القومية فأن المؤامرة سوف تكون الحركة الدينية.

وفى هذا الاطار جرى الاتفاق على دعم كافة الحركات الإسلامية المتمردة المتاحة، و اذا لم تتواجد مثل هذه الحركات فأن على شبكات المصالح ان تزرع رجالاتها ويقومون بابتكار مثل هذه الحركات من اجل هدم الدين الإسلامي من الداخل نظرا ً لأنه المحرك الرئيسي لتلك الامبراطوريات التي أصبحت اليوم – وقتذاك – تسيطر على آسيا الصغرى شرقا ً و شبه جزيرة أيبريا غربا ً .

الإسلام السياسي في القرن السابع عشر

الباحث والمؤرخ الأمريكي روبرت دريفوس Robert Dreyfuss رئيس وحدة الشئون الاستخباراتية للشرق الأوسط في مركز Executive Intelligence Review الخاص بدراسات تاريخ وحاضر المخابرات الغربية سبق و ان تطرق الى هذه المرحلة في كتابه رهينة الخميني Hostage to Khomeini ، وتحديدا ً حينما قررت بريطانيا منذ القرن السابع عشر شن حملة كبري على الامبراطوريات الإسلامية العثمانية و الفارسية والمغولية بغية تحطيمها الى دويلات صغيرة عبر ايقاظ الأفكار القومية و تحويل الأديان والطوائف الى قوميات تطالب بدول خاصة بها.

وقد وجدت بريطانيا – وفقا ً للمؤرخ الأمريكي – ان الحركات الشيعية و الصوفية اسهل في الاختراق ، و كتب نصا ً " كانت الحركات الصوفية هي أداة تدخل البريطانيين في الشرق الأوسط بشكل مباشر منذ القرن السابع عشر " ، و ان الحركة البهائية تحديدا ً تمت صناعتها بالكامل على يد المخابرات البريطانية في القرن التاسع عشر، و ان تصنيع الحركة التي أصبحت ديانة مستقلة احتاج الى تمويل و دعم لوجستي، فقامت شبكات المصالح التي تقود لعبة المؤامرة بتكليف المحفل الماسوني الاسكتلندي البريطاني ( المحفل الماسوني الاسكتلندي اختصارا ً ) بتقديم الدعم المالي و اللوجستي اللازم للبهائيين و بهذا المال انتشر الدين الجديد في آسيا الوسطي و الهند و فارس ( ايران اليوم ) .

والى جانب الحركة البهائية و بعض الحركات الصوفية و الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية و الحركة القاديانية ، وجدت بريطانيا انه حان الوقت لتأسيس اخوية إسلامية جامعة لكافة هذه الحركات ، مظلة او منسق عام ، و هكذا نشأت فكرة تنظيم الاخوان المسلمين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، يقول دريفوس في كتابه: "ان تنظيم الاخوان المسلمين صناعة لندنية ، أنشأت لتكون حاملا ً للواء هرطقة قديمة معادية للأديان ، و تأسست الجماعة على يد العميل البريطاني حسن البنا و هو صوفى باطني ، وما كان بإمكان الإخوان المسلمين التواجد اليوم لولا حقيقة مفادها أن مستشرقي جامعات أكسفورد وكامبريدج البريطانية قاموا بتتبع العناصر الأكثر تخلفًا في الثقافة الإسلامية وتدوين ملاحظات عنها وغرسها بعناية، ومن ثم جاءت جماعة الإخوان نتيجة التنظيم الصبور من جانب عملاء لندن في العالم الإسلامي".

ان تصوف حسن البنا ليس بالأمر المفاجئ في هذه الوثائق البريطانية ، و قد قال في المؤتمر الخامس للإخوان عام 1938 :" إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية"، كما ان تصوفه و زيارته للأضرحة والحضرة وحلقات الذكر الصوفية مذكورة نصا ً في كتابه "مذكرات الدعوة و الداعية "، و بعد ذلك يأتي بعض انصاف المثقفين للتحذلق بالقول ان العلاقات ما بين اسلامييو تركيا والاخوان المسلمين فى زمن الحرب الباردة و ما بعدها مستحيلة لان الاخوان تنظيم سلفي بينما اسلاميو تركيا ينتمون الى الفكر الصوفي دون ان يدركوا حقيقة ان الاخوان المسلمين تنظيم يضم اجنحة صوفية و شيعية أيضا ً و ان اسلامييو تركيا ما هم الا الجناح الصوفى لتنظيم الاخوان المسلمين سواء كان الحديث عن فتح الله جولن او تلاميذ نجم الدين اربكان مثل عبد الله جول و رجب طيب اردوجان.

بريطانيا والإسلام السياسي الصوفي

الفكرة الأولى لتأسيس الاخوان في القرن التاسع عشر لم تكن سلفية او وهابية قط ، بل ان تكون جامعة لكافة المذاهب و الفرق الإسلامية التي تتعاون مع بريطانيا، لذا يمكن القول ان تنظيم الأخوان الأول ما بين عامي 1928 و 1949 او يطلق عليه في المخابرات البريطانية تنظيم حسن البنا لما يكن تنظيما ً سلفيا ً خالصا ً عكس تنظيم 1951 الذى تم ابتكاره في المخابرات الامريكية و قدم للعالم سيد قطب الذى اعترف بانتمائه الماسوني في مقال بعنوان " لماذا صرت ماسونيا ً ؟ " بجريدة التاج المصري عدد 23 ابريل 1943، علما ً بأن الانتماء الماسوني يعني بالتبعية الانتماء الى الاستخبارات الأجنبية التي تعمل مع هذه المنظمات لصالح رعاية شبكات المصالح الغربية.

و بالفعل ضم التنظيم في سنوات البنا العديد من الكوادر الصوفية ، بل ان الحركة الوهابية في سنوات عبد العزيز آل سعود الأولى أيضا ً استقطبت العديد من الصوفيين مثل الشيخ محمد ماضى ابو العزايم احدي كبار مشايخ الطرق الصوفية الذى ايد الحركة الوهابية و قيام الدولة السعودية الثالثة وفقا ً للباحث زكريا بيومي في دراسته " موقف مصر من ضم ابن سعود للحجاز ( 1924 – 1926 ) " او الباحث السعودي عبد الله بن بجاد العتيبي في دراسته " الاخوان المسلمون و السعودية .. الهجرة و العلاقة ".

ويشير المؤرخ الكندي جوين داير Gwynne Dyer في كتابه " أرهاب الدولة الإسلامية و الشرق الاوسط ":

Don't Panic: Islamic State Terrorism and the Middle East 

الى حقيقة تغيب عن عقول الكثيرين اليوم، ان كافة كتابات سيد قطب رغم دمويتها وصناعتها للسلفية الجهادية لم تتطرق بكلمة الى الشيعة ، و ان التحريض كان على المجتمعات و الدول او أصحاب الديانات الأخرى .

يمكن القول وفقا ً لكافة وقائع التاريخ ان الحركات الصوفية و الوهابية و الشيعية بروافدها البهائية و السلفية و الجهادية و التكفيرية ظلت تعمل معا ً جنبا ً الى جنب حتى استيلاء آيه الله الخميني على الحكم في ايران ، وقتذاك بدأت الوهابية و السلفية مع رأس حربتهم تنظيم الاخوان المسلمين في سن خطاب تكفيري حيال الشيعة.

و لكن قبل ذلك التاريخ كانت العلاقات السعودية الإيرانية تحت المظلة الامريكية على سبيل المثال في ابهي صورها وكانت اللقاءات لا تنقطع بين امبراطور ( شاه ) ايران محمد رضا آل بهلوي والملك السعودي فيصل بن عبد العزيز آل سعود ، فالتنظيمات السنية ( الاخوان و السلفيين و الوهابيين ) لم يكتشفوا ان الشيعة و الصوفيين كفرة الا عقب الخلاف على الكعكة الإيرانية والخطاب المعادي الفارسي للإسلاميين الإيرانيين حيال الخليج العربي عقب الثورة الإيرانية.

بالعودة الى المؤرخ الأمريكي روبرت دريفوس ، يشير الى ان مهمة تأسيس الشبكة الأولى لتنظيم الاخوان المسلمين أوكلت الى ويلفريد سكاوين بلنت ، و هو احدي ضباط المخابرات البريطانية الذى عمل مستشرقا ً في الحقل الاكاديمي لتغطية نشاطه الاستخباراتي كما يفعل عملاء المخابرات حتى اليوم ، و الأخير استطاع ان يحقن العالم الإسلامي بشخص نعرفه جميعا ً اليوم باعتباره من عمامات التنوير تحت اسم جمال الدين الافغاني .

بريطانيا وجمال الدين الافغاني

الى اليوم لا احد يعرف اين ولد جمال الدين ؟ ما هي جنسيته او جنسية اهله او المذهب او الدين الذى ولد عليه ؟ تجول ما بين مصر و العراق و الدولة العثمانية و ايران والهند وأفغانستان ثم روسيا و فرنسا و انجلترا، وفي كل دولة كان له اسم عن الدولة الأخرى و عمامة دينية عن الأخرى ، ففي ايران كان جمال الدين الحسيني و في مصر كان جمال الدين الافغاني و في العراق تارة جمال الدين الطوسي و جمال الدين الكابلى، و في الهند جمال الدين الاستانبولي و في أوقات الفراغ جمال الدين الحسيني !.

كانت رؤية المستشرق البريطاني ان تخرج حركة الاخوان المسلمين كحركة تنويرية إصلاحية تفكيك الدين الإسلامي من الداخل، خاصة ان فكرة الأصولية السلفية المباشرة كالحركة الوهابية كانت قد فشلت بسقوط الدولة السعودية الاولي و دخول الدولة السعودية الثانية وقتذاك في اتون الحرب الاهلية و فشل الوهابية في التمدد خارج الجزيرة العربية.

و للأسف حتى اليوم الكثير من العقول في الشرق الأوسط لم تنتبه الى أصولية التنويريين الإسلاميين ، و انهم وقت الجد يطلقون فتاوي و أفكار اشد ظلامية من بعض المشايخ ، على سبيل المثال جمال الدين الافغاني عقب خلافه مع الشاه الإيراني " ناصر الدين شاه قاجار" حرض على قتله في خطبه الدينية في سنواته عمره الأخيرة بإسطنبول و بالفعل تم اغتياله في 1 مايو 1896 ما يعني ان واحدا ً من اهم عمامات ما يسمي النهضة والتنوير الإسلامي حرض و تسبب وتلطخت يده بدماء حاكم دولة في اول عملية اغتيال سياسي تنسب للإسلام السياسي.

الباحثة البريطانية هيلارى باركر شاركت بالكتابة في الموسوعة التاريخية The Cambridge History of Iran تاريخ ايران عن جامعة كامبردج كتبت في هذه الدراسة الموسوعية:"اغتيال الشاه الإيراني كان سياسيًا بامتياز لو قارناه بالملوك الذين سبقوه في التعرض للقتل في تاريخ إيران، حيث سقط هؤلاء ضحايا للصراع على السلطة بين الأسر الحاكمة أو الأسر التواقة للحكم، وليس بفتوى من مرجع ديني كجمال الدين الأفغاني، الاغتيال تم على يد رجل ثوري سبق أن تتلمذ على يد رجل عقائدي – سياسي، والقاتل كان يعرف جيداً أن الموت المحتم سينتظره إثر قتله للملك القاجاري ، اننا امام حدث يمكن اعتباره اول عملة استشهادية في التاريخ الحديث ".

لم تكن فتوي اغتيال اول حاكم في العصر الحديث بعملية استشهادية صادرة عن سني او وهابي ، بل كانت من إمام تنويري ينظر اليه باعتباره من اعلام حركة النهضة الإسلامية الحديثة !.

حرض الافغاني على رفض الخلافة العثمانية مقابل خلافة عربية كشكل من اشكال القومية العربية، و رفض الحداثة الأوروبية و شدد على حتمية التمسك بتقاليد المجتمع الإسلامي الرافضة للتطور العلمي الأوروبي و هي الحجة الدائمة للحفاظ على الرجعية والتخلف باسم الدين، و بالطبع حذر المسلمين الاستعمار الروسي دون ان يتفوه بكلمة واحدة عن الاستعمار البريطاني او الفرنسي.

و وفرت له بريطانيا المال اللازم و شبكة من العملاء ينتمون الى البهائية في كافة الدول التي عمل بها ، و اتى هذا التمويل و الدعم اللوجستي من المحفل الماسوني الاسكتلندي، وطرد الافغاني من كل دولة عمل بها من قبل حكوماتها الوطنية ، و لاحقا ً رأت بريطانيا في شخصه عميل فاشل و رفعت الغطاء عنه و سحبته من مصر ، و لكن شبكات المصالح الأوروبية أصرت على إعادة تدويره و رحبت باريس بالامر و تكفل المحفل الفرنسي الماسوني بإعادة التمويل .

علاقة جمال الدين بالماسونية ليست خافية عن كل من يعرف تاريخه ، و قد أسس الجمعية الماسونية العربية في مصر علنا ً في سبعينات القرن التاسع عشر، ما يعني ان الافغاني لم يكتفى بالانتساب الى المحافل الماسونية البريطانية والفرنسية فحسب بل أسس و ترأس محفل ماسوني في مصر ، و كانت فكرة ان يكون المحفل عربيا ً لا مصريا ً في اطار دعم الماسونية و بريطانيا لفكرة القومية العربية لتأليب الولايات العثمانية الناطقة بالعربية على حكم الخلافة العثمانية .

بريطانيا ومحمد عبده

عقب تململ بريطانيا من جمال الدين ، قررت التواصل مع تلميذه الشيخ محمد عبده، وكان الأخير قد غادر مصر مع الافغاني متجولا ً في أوروبا ، الا ان بريطانيا قررت اعادته مرة اخري الى مصر ، و عبده ينتمي الى المحفل الماسوني الاسكتلندي حيث وثق الباحث كريم ويصا Karim Wissa هذا الانتماء في كتابه " الماسونية في مصر ما بين عامي 1798 و 1921 " Freemasonry in Egypt 1798-1921 ، كما ان محمد عبده كان بهائيا ً أيضا ً ووثق المؤرخ الأمريكي جوان كول Juan Cole هذه الحقيقة عام 1981 في كتابه " محمد عبده و رشيد رضا: حوار حول العقيدة البهائية " Muhammad `Abduh and Rashid Rida: A Dialogue on the Baha'i Faith

وتسلم عبده في القاهرة الشبكة البهائية و الماسونية، و دفعت به الاحتلال البريطاني في موقع مفتي الديار المصرية عام 1899 ما سهل عملية الزج برجالات الشبكة في المؤسسة الدينية الرسمية في مصر منذ فجر هذا التاريخ .

اكمل عبده مهمة الافغاني بنجاح ساحق ، لم يصطدم بالمجتمع او يثير ريبة الحاكم و سن دعوة دينية تضرب الثوابت من الداخل، و كان يفترض ان يخرج تنظيم الاخوان المسلمين على يد محمد عبده عام 1909 ، و لكن وفاته المفاجئة عام 1905 بالإضافة الى بزوغ نجم الحركة الوهابية مجدداً و الدولة السعودية الثالثة على يد الشيخ عبد العزيز آل سعود عام 1901 عقب نجاحه في الاستيلاء على الرياض بعد سنوات المنفى في الكويت جعلت بريطانيا تتريث في اعلان التنظيم الجديد.

كما ان رجل بريطانيا الجديد في مصر، رجل الدين من طرابلس السورية ( قبل ضمها الى لبنان على يد الاحتلال الفرنسي ) محمد رشيد رضا لم يكن قويا ً بما يكفى لرئاسة الإرث الماسوني و الصوفي و البهائي ، و لكن التاريخ حفظ مكانة رشيد رضا يوم قربه البريطانيين لعبد العزيز ، ثم كان محمد رشيد رضا هو من قدم حسن البنا لبريطانيا وزكاه لرئاسة التنظيم الأول لجماعة الاخوان المسلمين وفقا ً لوثائق المخابرات البريطانية التي استعان بها المؤرخ الأمريكي في كتابه.

الجناح الشيعي لتنظيم الاخوان

عقب تأسيس التنظيم في مصر ، سارعت المخابرات البريطانية بنشر افرع للتنظيم في اكثر من دولة ، ولكن اهم تنظيم اخواني خارج مصر لم يكن في سوريا او فلسطين كما ادعي البعض مراراً، و لكنه كان في ايران تحت مسمي جماعة فدائيان اسلام لمؤسسها مجتبى نواب صفوي عام 1945، و كان الذراع الإيراني للاخوان المسلمين شيعيا ً خالصا ً دون ان يكون هنالك اى مشاكل طائفية بين التنظيم الام في القاهرة و فرعه الشيعي في طهران ، بل ان منظرو الاخوان حتى اليوم لا يذكرون مؤسس الجناح الإيراني الا بلقب الشهيد مجتبى نواب صفوي وذلك عقب إعدامه عام 1955 لتورط التنظيم في سلسلة من الاغتيالات.

وحينما زار الشهيد صفوي مصر في يناير 1954، رتب الاخوان المسلمين استقبال تاريخي للزعيم الديني الشيعي الإيراني و رافقوه لزيارة مراقد أهل البيت في مصر والقى خطابا هاما على منبر جامعة القاهرة و عقد لقاء قمة اخوانية مع سيد قطب.

مثل أي تنظيم للإخوان اتخذ أسماء مخالفة لا يعرف تنظيم فدائيان اسلام في ايران الا باسم الاخوان المسلمين ، المؤرخ الإيراني أمير طاهري في كتابه " روح الله : الخميني والثورة الإسلامية "The Spirit of Allah: Khomeini and the Islamic Revolution أشار الى ان الخميني كان عضو الجناح الإيراني لجماعة الاخوان المسلمين و تسلم مسئولية تنظيمها عقب اعدام مؤسسها الى ان تم نفى الخميني خارج ايران عام 1964 و لكن علاقة الخميني بإخوان ايران لم تنقطع و كان لهم دور مهم في التمهيد لاستيلائه على الحكم لاحقا ً ، بينما تشير مراجع أخرى الى ان العلاقة بين اخوان مصر و اخوان ايران لم تنقطع حتى اليوم ما يفسر الترحيب الإخوانية بثورة الخميني خلافا ً لفزع دول الخليج وقتذاك.