رجب طيب اردوغان

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

عقب استقالة أربكان في 30 يونيو 1997، كان الغرب بحاجة إلى بديل إسلامي تركي سريعًا، على ضوء المتغيرات المقبلة في الشرق الأوسط والصراع الغربي مع القوى الدولية الصاعدة مثل روسيا والصين. وفى هذا السياق خرج من حزب الرفاه عبد الله جول ورجب طيب أردوغان بمشروع حزب جديد، وطرحوا أنفسهم باعتبارهم البديل المناسب عن نهج أربكان والوريث المناسب له.

الجهاز الإعلامي لمشروع جول/أردوغان كان متفوقًا للغاية على باقي الأحزاب الأخرى حتى الإسلامية، ويعود ذلك إلى أن النخبة التركية حتى مع تدخل الجيش ضد أربكان كانت ضعيفة للغاية وأفلست وعقمت عن تقديم البديل السياسي المناسب عن الإسلام السياسي.

استقطب جول/أردوغان طبقة “المثقفين الإسلاميين”، وصاغوا مشروع ومصطلح “العثمانيين الجدد” حيث كان أول من تحدث بهذا المصطلح وصاغ مشروعه الإسلامي هو احمد داود أوغلو الذي أصبح منظر الحقبة الأردوغانية.

الجهاز الإعلامي لمشروع جول/أردوغان نجح في بث دعاية أن هناك صراعًا بين الجناح المحافظ في الجماعات الإسلامية التركية يمثله أربكان ونهجه، بينما أردوغان يمثل التيار الإصلاحي الإسلامي، وأن حزب العدالة والتنمية ليس حزبًا إسلاميًا بل إصلاحيًا علمانيًا ديمقراطيًا.

ولم يستقطب الحزب طبقة المثقفين الإسلاميين فحسب، ولكن أيضا كان المثقفون اليساريون والليبراليون قد أدركوا أن اليسار التركي والليبراليين الأتراك وحتى اليمين الكمالي قد أصبح سفينة غارقة يجب القفز منها، وهكذا كان التنظير لـ “الحل الإسلامي” وتجربة التيار الإسلامي بعد أن فشل القوميون الكماليون والماركسيون واليساريون ويسار الوسط ويمين الوسط هو مهمة كوكبة من المثقفين والنخب اليسارية والليبرالية التي كان من ضمنهم أسماء لم تحصل على عضوية حزب العدالة والتنمية فحسب بل كانت في لائحة المؤسسين وأصحاب مناصب في الصف الأول من الحزب أيضًا.

أدرك جول/أردوغان بعد إعدام مندريس وثورات انحاز لها الجيش أعوام 1960 و1971 و1980 وإجبار أربكان على التنحي وأنه يجب ممارسة التقية وادعاء الليبرالية والعلمانية بشكل مكثف إلى أن تأتي لحظة التمكين، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية تراهن على أسلمة تركيا في مطلع القرن الحادي والعشرين من أجل تنفيذ أجندة غربية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطي والشرق الأدنى، والاشتباك عبر جبهات البلقان والقوقاز وداخل الصين وروسيا بل وإيران إذا ما اقتضى الأمر.

واذا كان هناك تساؤل حول هوية القومية التركية، هل هي علمانية كمالية أم إسلامية عثمانية، فإن سنوات ما بعد أربكان شهدت تحولًا حاسمًا لدى القوميين الأتراك من العلمانية الكمالية الجمهورية إلى الإسلامية العثمانية الإخوانية، بالأحرى تم أسلمة القومية التركية وتهشيمها من التيار الكمالي الجمهوري، كما أن بعض الساسة الأكراد انحازوا لمشروع الإسلام السياسي بديلًا عن فكرة الوطن القومي للأكراد أو كردستان الكبرى، وهكذا فإن العثمانيين الجدد نجحوا في مصادرة القومية التركية وكذا بعض القوميين الأكراد لصالح مشروع الإسلام السياسي التركي.

لاحقًا اتضح زيف ادعاء أن أردوغان كان إصلاحيا مقارنة بـ أربكان المحافظ، وان الفارق بين المحافظين والإصلاحيين في التيار الإسلامي أشبه بالفارق بين اليمين واليسار أو الليكود والعمل في الأحزاب الإسرائيلية، بمعني أدق: لا فارق يذكر سوى الخلاف على نفس الكعكة لتنفيذ نفس الأجندة.

صياغة مشروع العثمانيين الجدد

من بين طابور من المنظرين والأكاديميين، اختار أردوغان البروفيسور احمد داود أوغلو ليصبح مستشاره الخاص، قبل أن يتولى وزارة الخارجية (2009 – 2014) ثم رئاسة الوزراء ورئاسة حزب العدالة والتنمية (2014 – 2016) تحت سيطرة أردوغان.

يعتبر داود أوغلو هو كاتب وصانع أغلب أفكار أردوغان عن تسمية المشروع القومي التركي والإسلامي التركي بـ العثمانيين الجدد، وأنه يجب على المشروع الإقليمي التركي سواء كان قوميًا أو إسلاميًا أن يتحرك بهوية وصبغة عثمانية وأن يطالب باسترداد ممتلكات الدولة العثمانية لا المطالبة بوضع إقليمي جديد، أي أن أنقرة صاحبة حق تسعى إلى استرداده وليست صاحبة مشروع إقليمي تحاول عبره منافسة مصر وإيران وغيرها.

مشروع وأفكار أردوغان ما هي إلا بنات أفكار داود أوغلو، من صناعة إسلام نيوليبرالي تركي يصبح جناحًا إسلاميًا للعولمة الأمريكية والنظام العالمي الجديد وشبكات المصالح الغربية، ويعتبر داود أوغلو هو من صاغ مصطلح العثمانيين الجدد وروج له، وهو من روج لفكرة استغلال تاريخ عام 2023 لإعلان عودة الدولة العثمانية أو تأسيس “الخلافة العثمانية الثانية”، وللمفارقة فإن داود أوغلو كان يروج لهذا المصطلح وهذا التاريخ وتلك الأفكار في تسعينات القرن العشرين سواء في حقبة وزارة أربكان أو ما بعدها، وذلك في لقاءاته مع الأكاديميين الإسلاميين وحتى غير الإسلاميين في المناسبات الدولية والإقليمية.

لماذا حصد أربكان وأردوغان الأغلبية البرلمانية؟

عقب استقالة أربكان، عاد مسعود يلماز لتشكيل الوزارة مرة أخرى، فكانت وزارته الثالثة والأخيرة ما بين عامي 1997 و1999 حيث قدم استقالته في يناير 1999 قبل عقد الانتخابات البرلمانية التركية في أبريل 1999 في ظل وزارة بولنت اجاويد رئيس حزب اليسار الديموقراطي.

عقدت الانتخابات البرلمانية التركية بمشاركة إسلامية باهتة دون زعامة تذكر على ضوء تأثر الإسلاميين بقرارات المحكمة الدستورية العليا عقب تفكيك حزبي الفضيلة والرفاه، ومع ذلك فإن حزب الفضيلة الوريث العملي لحزب الرفاه ونهج أربكان حصد 111 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا، ما يعني أن المزاج الانتخابي للشعب التركي ما بين مرحلتي أربكان وأردوغان كان جاهزًا لمشروع جول/أردوغان متى تم الإعلان عنه ومتى اكتمل، وبالفعل شارك حزب العدالة والتنمية في انتخابات 3 نوفمبر 2002 ليحصد 304 مقعدًا دفعة واحدة.

وللمفارقة فإن أربكان عقب حل حزب الرفاه قد أسس حزب الفضيلة من الباطن دون أن يمارس السياسة أو الحياة الحزبية التزامًا بقرار المحكمة الدستورية العليا، وفى عام 2001 حلت المحكمة الدستورية العليا حزب الفضيلة فأسس أربكان حزب السعادة من الباطن أيضًا، والمفارقة هنا أن أردوغان قد انضم إلى حزب السعادة أولا قبل أن يقرر ترك حزب أستاذه والانضمام إلى مشروع العثمانيين الجدد، حيث كان عبد الله جول هو الرجل الأول في هذا المشروع قبل أن ينضم إليهم رجب طيب أردوغان.

ولكن لماذا جرى هذا التحول في مزاج الناخب التركي، حتى ينتخب الإسلاميين منذ انتخابات 1995 حتى انتخابات 2018 بنسب متفاوتة وإن ظلوا الأغلبية في برلمانات تركيا؟

في حقبة رئيس الوزراء توركوت أوزال رئيس حزب الوطن الأم، والتي استمرت ما بين عامي 1983 و1989، قام أوزال بإصلاحات اقتصادية ليبرالية ساحقة، تميزت بالانفتاح الاقتصادي على الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد، ما ساهم في إثراء الطبقة الوسطي، ومن اهم مكونات تلك الطبقة في تركيا مجتمع إسطنبول المحافظ والقرويين في ريف الأناضول، الذين عانوا التهميش في سنوات الدولة العثمانية قبل سنوات الجمهورية التركية.

هذه المكاسب المعيشية والاقتصادية وزحف سكان إسطنبول وريف الأناضول إلى مجتمع أنقرة العلماني (الليبرالي والتقدمي) ، تحول إلى حراك مجتمعي يبحث عن دور سياسي بعد سنوات التهميش، كعادة هذه الموجات من الهجرة والرغبة في ادعاء الترقي الطبقي والوجاهة الاجتماعية، والتي دائما ما تنقلب إلى حالة من نوستالجيا/حنين العودة للجذور الإسلامية المحافظة، وأن المال لم يهدر التدين وهنا كان الحل هو الحل الإسلامي في صناديق الاقتراع، فكان أردوغان حاضرًا بخطاب علماني يدرك الجميع أنه إسلامي خالص.

الطبقة الوسطى الجديدة، أصحاب الإسلام “المودرن” أو الإسلام النيوليبرالي، وهي الموجة ذاتها التي رأيناها بين الإسلاميين في مصر أوائل القرن الحادي والعشرين، لعبت الدور الرئيسي في التصويت لأربكان ثم أردوغان طيلة ربع قرن من الزمان.

كما أن النخب والطبقة العلمانية التركية قد ارتبطت بمؤسسات الدولة الفاسدة والمشروع العلماني الحكومي الكمالي الفاشل، ما أدى إلى تلطخ سمعة الليبراليين الأتراك واليساريين الأتراك رأسي حربة العلمانية التركية وأيضًا باقي مكونات النخب العلمانية التركية الذين فشلوا في تقديم تجربة حكم أو حزب أو دولة ناجحة، وبدا واضحًا للشعب التركي أن العلمانيين الأتراك جل ما يفعلونه هو شبكة من المصالح المشتركة باسم العلمانية ومنع النشاط الديني.

إن التطرف في العلماني ينتج التطرف الديني، لذا كان منطقيًا أن يرحب الشعب التركي بمقترحات أردوغان الخاصة بإنهاء حظر الحجاب وحرية المرأة التركية في ارتداء الحجاب من عدمه وحرية التعبير عن الانتماء الديني وإقامة الشعائر الدينية المسلمة، هكذا ربح أردوغان وحزبه الشعب التركي حتى الفئات غير المتدينة أو حتى غير المسلمين الذين اعترفوا بعد قرابة ثمانية عقود من العلمانية الكمالية أن تلك القرارات لم تعد لائقة بالحرية والديمقراطية في القرن الحادي والعشرين.

استغل الإسلاميون الخناق العلماني للادعاء بأنهم ديمقراطيين لا يريدون إلا حرية الشعب في ممارسة العقيدة فحسب، كما أن التيار الجمهوري الكمالي لعب لعبة سياسية حمقاء، فقد راهن دنيز بايكال في حزب الشعب أن أردوغان لن يستطيع أن يمكث في السلطة أكثر من شهرين بسبب الخلافات بين الإسلاميين، وقرروا التساهل في انتخابات 2002 لصالح حرق الإسلاميين، أي أن يشكلوا الوزارة شهرين وتسقط ويسقط المشروع الإسلامي في تركيا ويصبح حزب الشعب الكمالي الأتاتوركي هو الاختيار الوحيد، واتضح لاحقًا كارثية المناورة الكمالية، فإن من راهنوا على بقائه في السلطة شهرين فحسب يقترب من عقدين في السلطة غير فيهم تركيا الكمالية بنسبة 100 %.

حقبة التعايش بين جول وأردوغان

قبل أن يؤسس جول حزب العدالة والتنمية، وفى مشهده الأخير تحت عباءة أربكان، تنافس مع قوطان على رئاسة حزب الفضيلة، ولكن أربكان دعم قوطان، فخرج جول نهائيًا من العباءة الأربكانية ولحقه أردوغان. ونظرًا لوجود حكم قضائي على أردوغان، فإنه حينما فاز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مقاعد البرلمان عام 2002، لم يكن ممكنًا لأردوغان تشكيل الوزارة التركية، وهكذا شكل عبد الله جول ثالث وزارة إسلامية في تاريخ تركيا بعد عدنان مندريس ونجم الدين أربكان.

خلال وزارة جول (18 نوفمبر 2002 – 14 مارس 2003)، زار الأخير القاهرة وطلب دعم الرئيس المصري محمد حسني مبارك لطلب تركيا الانضمام إلى جامعة الدول العربية، واختار يشار ياكش سفير تركيا الأسبق في مصر والسعودية وزيرًا للخارجية من أجل دعم توجه تركيا للعالم العربي ومحيطها الشرقي.

يمكن القول إن الفارق بين جول وأردوغان ظهر منذ اليوم الأول، صحيح أن كلاهما ينفذ بنك أهداف وأجندة الإسلاميين الأتراك أو العثمانيين الجدد، ولكن اختلفت الوسائل، بينما جول يسعى إلى دولة إقليمية عصرية إسلامية، فإن أطماع أردوغان الشخصية جعلته لا يطمع في إعادة مجد الدولة العثمانية في رداء عصري ولكنه طمع في إحياء كرسي السلطان العثماني وارتداء عباءة خليفة المسلمين!، ما أدى إلى صدامات بين أردوغان وزعماء الشرق الأوسط واحدًا تلو الآخر.

بينما جول حتى يومه الأخير في الوزارة ثم الرئاسة التركية ظل على علاقة جيدة مع الرئيس مبارك ومع حكام الخليج العربي، ولقد حاول أردوغان السير على خطوات جول في السياسة الخارجية، حيث وطد علاقته بالرئيس مبارك وطلب دعم مصر فيما يتعلق بمنع الولايات المتحدة من إعلان دولة كردية شمال العراق، وكانت الرؤية المصرية التركية مشتركة في هذا المضمار على ضوء رفض مصر لتفكيك العراق وإنشاء دويلات عرقية ودينية.

كما أن أردوغان طلب من مصر عدم ترسيم الحدود البحرية مع اليونان وربطه بحل الخلاف التركي اليوناني، وقبل الرئيس مبارك بهذا الاتفاق في زمن ما قبل الاكتشافات الغازية في شرق المتوسط، حيث كان تعليق ترسيم الحدود البحرية المصرية اليونانية لا يشكل عائقًا أو خسارة اقتصادية كما جرى في سنوات ما بعد مبارك.

أردوغان والغزو الأمريكي للعراق

رغم أن أردوغان لم يكن رئيسًا للوزراء، إلا أن الرئيس الأمريكي بوش الابن استقبل أردوغان في البيت الأبيض فور حسم الإسلاميين لانتخابات 3 نوفمبر 2002 البرلمانية، دون أن يملك أردوغان منصبًا باستثناء أنه رئيس حزب العدالة والتنمية، حيث جرى الاتفاق على الدور التركي في الغزو الأمريكي للعراق التي بدأت في 19 مارس 2003.

جرى الاتفاق على أن تعلن أنقرة رفضها للزحف الأمريكي من جنوب تركيا إلى شمال العراق، من اجل أن يكسب الإسلاميون شعبية في العالم العربي والإسلامي، ولكن لا أحد سوف ينتبه إلى حقيقة أن تركيا فتحت كافة قواعدها العسكرية للجيش الأمريكي لتقديم الدعم اللوجستي والجوي للغزو الأمريكي للعراق، كما أن المجال الجوي التركي تم تسليمه للجيش الأمريكي ما بين 19 مارس 2003 واستسلام بغداد في 9 أبريل 2003 وظل المجال الجوي التركي تحت إمرة البنتاجون – وزارة الدفاع الأمريكية – حتى اعلن بوش الابن في 1 مايو 2003 انتهاء عملية غزو العراق.

وخلال تلك الفترة شن الطيران الحربي الأمريكي عشرات الغارات الجوية يوميًا، فلم يتم إخضاع شمال ووسط العراق جويًا إلا عبر المجال الجوي التركي. ومكافأة لأردوغان، تحركت السفارة الامريكية في انقرة وسرعت عملية انهاء حظر ترشحه للبرلمان، وقبل خمسة أيام فحسب من بدء الغزو الأمريكي للعراق وتحديدًا يوم 14 مارس 2003 كان أردوغان يشكل أولى وزاراته، ويضع بترتيبات أمريكية عبد الله جول في مقعد الرجل الثاني، نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للخارجية.

ورغم أن أردوغان تفاجأ بتداعيات الغزو الأمريكي للعراق على الأمن القومي التركي وتحديدًا الانفصاليين الكرد الأتراك الذين اتخذوا من شمال العراق مركزًا لعملياتهم، إضافة إلى رعاية بعض الدوائر الأمريكية لفكرة قيام دولة كردية شمال العراق، ما يعني سعي تلك الدولة الكردية لاحقًا إلى ضم جنوب تركيا الكردي أو حتى إقامة كونفدرالية كردية، ولكن بطبيعة الحال واصل أردوغان والإسلاميين الأتراك التنسيق مع الغرب.

طبيعة الخلاف التركي مع إسرائيل وإيران

إن الغرب حينما صنع الإسلام السياسي في القرن الثامن عشر، لم يكن بطبيعة الحال يريد نصرة المشروع الإسلامي، بل أراد مصادرته لصالح الأجندة الغربية، وان يكون للغرب فيلق داخل دين الإسلام، ينفذ بنك أهداف الاستعمار من داخل مجتمعات الشرق الأوسط.

إن استراتيجية فرق تسد التي ابتكرتها بريطانيا تلعب دور رئيس حتى اليوم في تعامل الغرب مع الشرق، لذا ابتكر الغرب الصراع العربي الإسرائيلي، من اجل أن تقوم الدولة اليهودية بدور الجماعات الوظيفية في حماية وتنفيذ الأهداف الغربية، ومن أجل إنهاك دول الشرق الأوسط.

ولاحقًا ابتكر الغرب الصراع العربي الإيراني، ثم الصراع العربي التركي، ورغم الخلافات بين الغرب وإيران في بعض الملفات بل حتى مع تركيا وإسرائيل في بعض الملفات، إلا انه وفى نهاية المطاف فإن تركيا وإيران وإسرائيل ليس بينهم صراع يمكن أن يصنف باعتباره بين المقاومة والاستعمار أو حتى الرؤية المباشرة بين الخير والشر، ولكن ثلاثتهم يتنافس على تنفيذ الأجندة الغربية أو حتى الصهيونية ومحاولة إرضاء الغرب وكسب اعترافه بالزعامة الإقليمية على الشرق الأوسط.

لذا لم يكن غريبًا أن تسعى إيران إلى الوفاق النووي مع أوروبا وأمريكا، أو أن يسعى أردوغان لعلاقات قوية مع الرؤساء الأمريكان الثلاث الذين عاصرهم حتى اليوم، بوش الابن وأوباما وترامب، ففي نهاية المطاف تدرك تلك الدول الوظيفية أن استمرارها مرهون بالتوافق الغربي بين أمريكا وأوروبا على بقاء تلك الدول من أجل الدور الوظيفي الخاص بإنتاج الأهداف الغربية في الشرق الأوسط.

لذا إذا فشلت إسرائيل في تدمير سوريا، فإن تركيا رجب طيب أردوغان كانت حاضرة في سنوات الربيع العربي والحرب الأهلية السورية، إذا فشلت إسرائيل في قطع المياه عن العراق وسوريا، فإن العثمانيين الجدد حاضرين بسلسلة من السدود جعلت العراقيين يتمشون سيرًا على الأقدام في أرض نهري دجلة والفرات. فشلت إيران في تفجير طرابلس اللبنانية فسارع الإسلاميون الأتراك إلى الشمال اللبناني، وما عجزت إيران عن فعله في مصر وليبيا كانت تركيا تقوم به في سنوات الربيع العربي.

أردوغان.. سنوات التمكين

كما فعل مندريس وأربكان وجول، لم يكشف أردوغان على الوجه الإسلامي لحكومته وحزبه، وذلك في الولاية الأولى (2003 – 2007) فلم يكن هناك مطالب إسلامية قط لحكومته، أو إصلاحات أو قرارات محافظة، بل وتعمد أردوغان وحزبه ورجالاته ووزراؤه “الحياد” التام في أي نقاش أو نزاع فكري أو مجتمعي أو حتى قضائي ما بين العلمانيين والإسلاميين، وتفرغ أردوغان للملف الاقتصادي من اجل تحسين حياة الأتراك وضرب الحجة العلمانية بعدم قدرة الإسلاميين على إدارة الدولة خاصة الأزمة الاقتصادية.

وبعد أن ذاق الأتراك أخيرا نعمة الاستقرار الاقتصادي ورغد الاستقرار السياسي، بل وتوجه أردوغان إلى بروكسل مقر الاتحاد الأوروبي وعقد اتفاقًا تاريخيًا لبدء مباحثات انضمام أنقرة إلى أوروبا عام 2004، استقبله الأتراك بمظاهرات التأييد وأطلق عليه شعبيًا لقب “فاتح الاتحاد الأوروبي”.

كرس أردوغان وقته لتوسيع القاعدة الانتخابية وتعزيز شعبيته ولم يكترث لأي إشكالية إسلامية أو إخوانية حتى يعزز أسطورة السياسي الإصلاحي المحافظ ذي التوجه الاقتصادي النيوليبرالي المنفتح على الغرب والساعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والمنسجم مع إسرائيل والداعم للشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة وكتالوج الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط في سنوات بوش الابن.

كانت خطة أردوغان البرجماتية هو الانتصار للشعب وبالشعب أولًا، وحينما يتذوق الشعب الاستقرار على يديه، وقتذاك يمكنه أن يسفر عن وجه الإسلام السياسي ومشروع العثمانيين الجدد، وهو ما حدث بالفعل لاحقًا.

إفلاس المعارضة يعزز الصعود الإسلامي

وعلى ضوء إفلاس المعارضة والعلمانيين الأتراك، انتقل دور المعارضة المدنية إلى مؤسسات الدولة التركية، سواء الجيش التركي أو المحكمة الدستورية العليا أو الرئاسة التركية، وللمفارقة فإن رئيس المحكمة الدستورية الذي حل حزب أربكان وطارده القاضي احمد نجدت سيزر، قد أصبح رئيسًا لتركيا في 16 مايو 2000، وهو الذي كلف بحسب الدستور جول ثم أردوغان بتأليف الوزارة التركية.

ولكن مع اقتراب نهاية ولاية سيزر عام 2007، بدأت المناقشات حول تسمية الرئيس المقبل، وقد دعم حزب العدالة والتنمية ترشيح رئيس الوزراء أردوغان للمنصب، حيث كان الأخير يسعى إلى تنفيذ رؤيته بتحويل تركيا من جمهورية برلمانية إلى النظام الرئاسي وإلغاء منصب رئيس الوزراء وتحويل صلاحيات رئيس الوزراء وبعض صلاحيات الجيش والمحكمة الدستورية العليا إلى رئيس الجمهورية وإلغاء نص عدم انتماء رئيس الجمهورية إلى حزب سياسي، وهو المشروع الذى فشل أردوغان في تحقيقه عام 2007 حيث كانت موجة الرفض لترشيحه عالية، ولكنه نجح في ذلك المخطط بعد 11 عامًا، عقب انتخابات الرئاسة والبرلمان عام 2018.

ولكن رفض مؤسسات الدولة التركية والمعارضة العلمانية لترشيح أردوغان، حقق للأخير هدفًا آخر، تمثل في التخلص من عبد الله جول، فالدستور التركي وقتذاك كان ينص على أن الرئيس يجب أن يقدم استقالته من الانتماء الحزبي وان يصبح مستقلًا، وهكذا كان انتخاب جول للرئاسة وتوليه المنصب في 28 أغسطس 2007 هو مفتاح استقالة جول من حزب العدالة والتنمية.

وحينما انتهت ولايته في 28 أغسطس 2014 وسلم الرئاسة إلى أردوغان، كان مخططًا أن يعود جول إلى الحزب الذي أسسه، من أجل أن يترأس الوزارة، أي أن يتبادل المقاعد مع أردوغان، ولكن الأخير بصفته رئيسًا للحزب رفض قبول عضوية جول، وغدر برفيق العمر، وعين ساعده الأيمن احمد داود أوغلو رئيسًا شكليًا للحزب.

حاول الجيش التركي عرقلة ترشيح جول للرئاسة عام 2007، على ضوء أن الأخير كان وزيرًا في حكومة إسلامية –وزارة أربكان– تم حلها بحكم المحكمة الدستورية العليا بمخالفتها الدستور، وغاب رئيس أركان الجيش التركي عن مؤتمر تنصيب جول رئيسًا للجمهورية في اعتراض علني صارخ على رفض المؤسسة العسكرية لتولى جول رئاسة الدولة.

وفى 22 يوليو 2007 حسم أردوغان الانتخابات البرلمانية وظفر بالولاية الثانية، وبدأ في إشهار الوجه الإسلامي تدريجيًا وليس بشكل مباشر.

لماذا توجه أردوغان إلى الاتحاد الأوروبي؟

رغم أن العثمانيين الجدد ينظرون إلى عضوية الاتحاد الأوروبي باعتباره بندًا مهمًا من مشروع تركيا الإقليمي، على ضوء حقيقة أن تركيا ذات كثافة سكانية عالية مقارنة بأغلب دول الاتحاد الأوروبي، كما أن أسواق الدول الأوروبية متعطشة لمتوسط أعمار الأتراك وللأيدي العاملة غير الموجودة في أوروبا والمتوفرة في أوروبا.

وأيضًا فإن ضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سوف يؤدى إلى وحدة ثقافية بين تركيا وأتراك الدول الأوروبية، الحاصل أنه عقب الحرب العالمية الثانية، قرر الغرب كسر الروح القومية ومناهضة الدولة الوطنية والقيم القومية وذلك عبر الترويج للدولة متعددة القوميات (كوزموبوليتية) Cosmopolitanism ومجتمع الكوزموبوليتانيون، في إطار إنهاء فكرة الدولة ذات السيادة وتسيد نموذج الدويلات الفيدراليات لصالح سيطرة شبكات المصالح الغربية والرأسمالية الدولية على العالم.

وفى هذا المضمار، وجد الغرب أن توطين الجاليات التركية في الدول الأوروبية خاصة شرق ووسط أوروبا، سوف يدعم فكرة كسر الروح القومية والمسيحية الأوروبية، تمامًا كما استخدم الجاليات المغاربية –تونس والمغرب والجزائر وليبيا– في جنوب وغرب أوروبا للهدف ذاته.

وكانت النتيجة أن تركيا أصبح لها طابور خامس ديموجرافي في أغلب الدول الأوروبية، وذو سيطرة على الجاليات الشرقية التي رغم انتمائها الثقافي العربي ولكنها ارتضت بانتماء إسلامي صنع على يد الإسلام السياسي الموالي للغرب، فأصبحت الجاليات الشرقية في أوروبا وأمريكا دمية في يد الإسلام السياسي وأصبح نجوم الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا وأمريكا صناعة إخوانية خالصة بدعم غربي.

وحينما قرر العثمانيون الجدد التمدد أوروبيا، كان أتراك ومغاربة أوروبا ظهير شعبي تواق ينتظر الخليفة العثماني، حتى لو كان المهاجر الشرقي هنالك ليس متدينًا، إلا انه مارس التدين السياسي متماهيًا مع مشروع العثمانيين الجدد. الغرب تفهم أن الإسلاميين الأتراك سوف يصنعون انقلابًا ديموجرافيًا حال انضمامهم للاتحاد الأوروبي وهكذا تم المماطلة لقبول الطلب التركي.

ولكن أردوغان واصل السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي القاري، ليس أملًا في كل ما سبق فحسب، ولكن لأن مطالب الاتحاد الموجهة إلى أنقرة فيما يتعلق بالإصلاح الدستوري والبرلماني والاقتصادي، كان في واقع الأمر تجريد الجيش التركي من تحصينه الدستوري ومن دوره الدستوري في حماية علمانية الدولة، ومع الاستفتاء على التعديل الدستوري في 12 سبتمبر 2010، انتهت وصاية المؤسسة العسكرية التركية على الحياة العامة التركية وتحرر أردوغان من فيتو الجيش فأظهر الوجه الإخواني الخالص، الانقلاب على الصيغة التركية التقليدية والانتقال إلى مرحلة التمكين بعد مرحلة التقية والوصول إلى صيغة الحزب الواحد والشخص الواحد.

وللمفارقة فإن الربيع العربي اندلع خلال ديسمبر 2010 في تونس، عقب ثلاثة أشهر فحسب من كسر الإسلاميين لدور الجيش في تركيا، ومع اندلاع حراك 25 يناير 2011 في مصر، لم يكن ممكنًا على أردوغان أن يتخلف أكثر من ذلك عن الركب الإسلامي العلني المباشر، فأسفر عن الوجه الإخواني الإسلامي الخالص وخلع رداء الليبرالي المحافظ.

الصدام مع المؤسسة العسكرية

الإصلاحات التي طلبها الاتحاد الأوروبي من تركيا كانت في واقع الأمر تقليمًا لدور الجيش التركي وضرب دوره التاريخي في منع صعود الإسلام السياسي للحكم والحفاظ على علمانية الدولة، أيضا تقليم أظافر المحكمة الدستورية العليا حيال أي صعود ديمقراطي أو انتخابي للإسلاميين، هكذا استغل أردوغان الطمع الشعبي وحتى الرسمي في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وعبر إصلاحات كان في واقع الأمر يطوق الجيش والقضاء بما يمنعهم من تكرار تجارب إسقاط الحكم الإسلامي كما حصل في عصري عدنان مندريس ونجم الدين أربكان.

الجيش التركي لم يصمت، وجرت محاولتين للانقلاب عام 2004، والثالثة عام 2009 والرابعة الأكثر شهرة في 15 يوليو 2016، ورد أردوغان بفتح باب التحقيق في هذه المحاولات بالإضافة إلى انقلاب عام 1980، والتحقيق في الانقلاب السري عام 1993 حينما أفشل الجيش اتفاقًا للسلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني حيث نص الاتفاق على إعطاء أكراد تركيا لبعض الحريات، حيث شمل الانقلاب السري تسميم الرئيس توركوت اوزال وتصفية وزير المالية الأسبق عدنان قهوجي والقائد العام للدرك التركي أشرف بتليس.

كما دعمت المؤسسة العسكرية انتفاضة ميدان تقسيم أو حديقة جازي أو الانتفاضة الشعبية التركية (27 مايو 2013 – 20 أغسطس 2013)، ومع ذلك استطاع أردوغان أن يظفر بالولاية الثالثة في الانتخابات البرلمانية 12 يونيو 2011، وانتقل أردوغان إلى مقعد رئيس الجمهورية ليظفر بالولاية الرابعة في 10 أغسطس 2014.

أردوغان وأوباما.. سبع سنوات ذهبية

منذ سنوات إدارة بيل كلنتون، يعرف في واشنطن أن الإدارة الأمريكية يكون لها صديق مخلص في الشرق الأوسط، وفى سنوات كلينتون كان الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات هم الأكثر قربًا للرئيس كلنتون، وفى سنوات بوش الابن كان العاهل الأردني عبد الله الثاني هو الأقرب للرئيس جورج دابليو بوش.

أما في سنوات الرئيس باراك أوباما، فقد تغير الأمر من الوطن العربي إلى الدائرة التركية، حيث كان رئيس الوزراء –ثم الرئيس– رجب طيب أردوغان هو الأقرب لأوباما، طيلة سبع سنوات قبل أن يقرر أوباما في عامه الثامن والأخير –عام 2016 – التباعد عن إدارة أنقرة بعد أن انتهى الغرض منها وفقًا لحسابات إدارة أوباما.

أول زيارة دولة لأوباما خارج أمريكا – لو تم استثناء قمة الثمانية في العاصمة البريطانية لندن، كانت زيارته إلى تركيا في أبريل 2009 لإلقاء خطاب في البرلمان التركي إلى العالم الإسلامي، والحاصل أن خطاب أوباما في أنقرة فشل في إحداث الصدى المطلوب أمريكيا، فقرر أوباما الذهاب إلى القاهرة ومن قلب الجامعة المصرية لإلقاء خطاب إلى العالم العربي والإسلامي.

ربما فات على الكثيرين ممن يدققون اليوم في خطاب أوباما بالقاهرة أنه سبقه خطاب فاشل لم يسمعه أحد في أنقرة، ومع ذلك كانت القاهرة مجرد جسر لأوباما بينما أنقرة كانت الخيار والحليف الاستراتيجي زهاء سبع سنوات.

وفى السنوات السبع ما بين عامي 2009 و2016، كرس أردوغان كل نفوذ ورصيد الإسلام السياسي وتجربته في خدمة رؤية أوباما للشرق الأوسط، مقابل تسيد تركيا لهذا المشرق، الشد والجذب مع إيران، محاولة صناعة حائط صد بوجه روسيا، تدريب المجاهدين في تركيا وإرسالهم إلى العراق واليمن وسوريا وليبيا، تنفيذ الانتقام الأمريكي من مصر عقب ثورة 30 يونيو 2013، تدمير سوريا وصناعة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، صناعة مظلومية مسلمي الروهينجا ومسلمي الايجور وتدريب إرهابيين لصناعة تنظيم “تركستان الصين” وإرسالهم لبدء عمليات إرهابية في غرب الصين.

لكن سوء إدارة أردوغان لهذه الملفات جعل إدارة أوباما تراه كارتًا محروقًا وظهر ذلك في سلسلة حوارات في مطلع عام 2016 حملت عنوان “عقيدة أوباما”، ودرست دوائر الرئيس الأمريكي أنه حال استمرار رجالات إدارته في حكومة هيلاري كلنتون حال انتخابها في نوفمبر 2016 أن يتم استبدال أردوغان بإسلامي آخر من رجالات العثمانيين الجدد من اجل استكمال الدور التركي في المشروع الأمريكي.

وشهدت سنوات أردوغان تحالفًا إسلاميًا مع كافة الجماعات الإسلامية حول العالم إضافة إلى دولة قطر التي سيطرت على جماعات الإسلام السياسي منذ عام 2001 حتى منتصف عام 2017 حينما قوض الرباعي العربي المشروع الإقليمي القطري فانتقلت إدارة ملف الإسلام السياسي إقليميا من الدوحة إلى أنقرة.

وخدمت قطر إعلاميا على النظام التركي عبر شبكات الجزيرة الإعلامية، ويكفي القول إنه حينما صدح إعلام قناة الجزيرة بأن قصف غزة قد تم عقب زيارة تسيبي ليفني إلى القاهرة وأنه جرى التنسيق، في واقع الأمر كان تغطية على حقيقة أن قصف إسرائيل لقطاع غزة الفلسطيني في 24 ديسمبر 2008 لمدة ثلاثة أسابيع قد تم عقب يوم واحد من زيارة إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي لتركيا.

سقوط أسطورة صناع الاستقرار التركي

وفى 16 أبريل 2017 عقدت تركيا استفتاء لتعديل دستوري شمل 18 مادة تحول تركيا من الجمهورية البرلمانية إلى النظام الرئاسي الأمريكي الصارم، ولكن مع وجود أردوغان كان الاستفتاء في واقع الأمر هو اختيار ما بين التعددية السياسية ونظام الرجل الواحد والحزب الواحد، وظفر أردوغان بموافقة 51.41 % مقابل رفض 48.59 % للعبث بالدستور التركي.

مع ذلك تعرضت مسيرة أردوغان لعدة ضربات، فحينما عقدت الانتخابات البرلمانية في 7 يونيو 2015، خسر حزب العدالة والتنمية الأغلبية البرلمانية، وكان يفترض لأردوغان بصفته رئيسًا للجمهورية أن يكلف المعارض بتشكيل الحكومة بعد أن فشل حزبه، ولكنه ماطل في التكليف حتى يتم إعادة الانتخابات والذهاب إلى انتخابات مبكرة في نوفمبر 2015.

ما بين يونيو ونوفمبر 2015، ظهر تنظيم داعش ولاية تركيا، وتساءل الأتراك هل استخدم أردوغان تنظيم الدولة الإسلامية الذي شارك في صناعته بالعراق وليبيا وسوريا واليمن ولبنان، في قمع الداخل التركي، أم أن إيران عكست اللعبة واستغلت ترنح أردوغان ووجهت له الضربة من نفس الكأس؟

وعلى ضوء نزيف شعبيته، ذهب أردوغان إلى انتخابات برلمانية مبكرة عام 2018، هي ثاني انتخابات مبكرة في أقل من ثلاث سنوات، إضافة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، ليظفر بثاني ولاية رئاسية وخامس ولاية في حكم تركيا.

مع خسارته أنقرة وإسطنبول في الانتخابات المحلية/البلدية التركية 2019، راحت الأصوات الداخلية تطلب منه الذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة، هي الثالثة في أقل من خمس سنوات حال حدوثها، وعدم انتظار عام 2023 لعقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية في موعدها، ما يعكس تبديد أردوغان لأسطورة صانع الاستقرار التركي.

مستقبل الإسلام السياسي في تركيا

على ضوء إفلاس أردوغان وتعقد الملفات الإقليمية بوجه أنقرة، أدرك بعض رجالات الإسلام السياسي في تركيا أن وقت استبدال أردوغان قد حان، وأنه يمكن أن يتم عقد صفقة مع بعض الدول الإقليمية والدولية في هذا المضمار.

هكذا خرج من حزب العدالة والتنمية حزبان جديدان هما:

1 – حزب المستقبل لـ أحمد داود أوغلو.

2 – حزب الديموقراطية والتقدم لـ علي باباجان

أما حزب السعادة آخر أحزاب الراحل نجم الدين أربكان فقد تحرك في اتجاه إحياء تحالفات أربكان مع القوى المدنية، والذهاب إلى ائتلاف انتخابي، ولكن أردوغان حرك ابن أربكان، محمد على فاتح أربكان، المعروف إعلاميا بـ فاتح أربكان، مواليد عام 1979، خسر المنافسة على رئاسة حزب السعادة لوراثة مقعد أبيه فاعلن تأسيس “حزب الرفاه الجديد”، وظهر «كايهان عثمان أوغلو»، الذى يلقب أيضا بـ«الأمير» لكونه أحد أحفاد السلطان عبد الحميد الثاني من الجيل الرابع، أربكان الابن لم يؤسس حزبه إلا بدعم من أردوغان من أجل شق حزب السعادة بعد أن تحالف السعادة مع حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البرلمانية 2018.

ولكن تبقى حقيقة أنه الوحيد القادر على استكمال مشروع العثمانيين الجدد دون التأثر بإرث رجب طيب أردوغان هو الرئيس السابق عبد الله جول، الذي أصبح في مقاعد المستقلين دون أن يؤسس حزبًا أو يشارك في أية فعاليات معارضة.