مديرية خط الأستواء المصرية

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، حينما برزت البرتغال وإسبانيا باعتبارهما القوتين العظميين في الغرب، وبدأت البرتغال في شن حملات صليبية على مصر انطلاقا من البحر الأحمر، قبل أن ترد مصر المملوكية على تلك الحملات، كان هناك مخطط آخر يجري نسجه في الغرب، تمثل في بدء الاكتشافات الجغرافية من أجل تجنب مرور حركة التجارة الدولية بمصر، وقطع تواصل مصر تجاريا مع العالم.

في ذلك الزمن، مصر ما قبل قناة السويس، كانت قوافل وبواخر التجارة العالمية ترسو على سواحل البحر المتوسط المصرية وتنطلق بريا إلى سواحل البحر الأحمر المصرية، وهو الخط ذاته الذي حفرت عليه قناة السويس لاحقا، وهكذا انطلق فاسكو دي جاما بمهمة من ملك البرتغال كي يكتشف خطا تجاريا آخر عبر طريق الرجاء الصالح وكيفية تواصل الغرب مع الهند دون المرور بمصر.

ولكن رحلة دي جاما، التي كانت ذات طابع عسكري وسياسي وليست علمية فحسب، كان لها جانب آخر ايضا، تكشفه وثيقة منشورة في متحف اسكوريال في العاصمة الإسبانية مدريد، تسرد توصيات البابا إسكندر السادس بابا روما إلى فاسكو دي جاما قبيل ابحاره إلى سواحل إفريقيا الشرقية، وذلك عام 1497.

وصية البابا إسكندر السادس: اقطعوا المياه عن مصر

يوصي البابا – ذو الأصول الإسبانية – بأن يتم التواصل مع ملك إثيوبيا المسيحي، من أجل بحث قطع المياه عن مصر، التي هزمت الحملات الصليبية القادمة من الإمارات الصليبية في سوريا، ولاحقا الحملات الصليبية القادمة عبر البحر المتوسط، وأن مصر هي العقبة الرئيسية في “المشرق الإسلامي”، المسمى القديم للشرق الأوسط، وأن تدمير مصر لن يتم إلا بتعطيشها وتجويعها عبر قطع المياه.

ولكن هزيمة البرتغاليين في البحر الأحمر على يد الأسطول المصري في الحملات الصليبية المتأخرة، أنهت الاتصال بين البرتغال وإثيوبيا، كما أن البابا إسكندر السادس توفي في ظروف غامضة عام 1503 ودخلت الكنيسة والعروش الأوروبية في سلسلة من الإضطرابات الصامتة.

ومع حلول القرن التاسع عشر، وبدء سيطرة بريطانيا على العالم الغربي، وتيقن لندن من حقيقة أن مصر هي رأس الشرق الأوسط، فإن حكام بريطانيا أحيوا وصية البابا إسكندر السادس عام 1497، وبدأت الإكتشافات العلمية البريطانية تدق باب حوض النيل، في حقبة زمنية خلال القرن التاسع عشر تعرف باسم “التدافع على إفريقيا” Scramble for Africa حيث اكتشف الغرب أن القارة الإفريقية تعيش حالة من الفوضى واللادولة واللاحكومة، ولكن في نفس الوقت تعج القارة السمراء بالثروات الطبيعية والبشرية اللأزمة لمصانع الثروات الصناعية في الغرب، وحروب الغرب ضد المشرق الإسلامي والامبراطورية المصرية والدولة العثمانية وأمبراطورية مغول هندوستان (التتار المسلمين) في الهند، وهكذا بدأت الدول الغربية في التسابق على استعمار إفريقيا كما فعلوا مع القارة الأمريكية قبل ذلك.

الخديو إسماعيل يتفهم مطامع الغرب في منابع النيل

وفي القاهرة كان هناك تحول سياسي إيجابي، حيث تولى الحكم إسماعيل باشا، مصري الهوى والمولد، ابن إبراهيم باشا وحفيد محمد علي باشا، وباشر مهامه في 18 يناير 1863 وهو دون السادسة والثلاثين عاما حيث ولد عام 1830،.

ودرس الحاكم الشاب لمصر في فيينا وباريس الهندسة والرياضيات والفيزياء، وأتقن الفرنسية والتركية والفارسية، وعمل مبعوثا لعمه سعيد باشا حاكم مصر، حيث كلفه الأخير بمهام دبلوماسية لدى فرنسا وبابا روما، ولاحقا بقيادة حملة عسكرية لتهدئة الأوضاع في السودان، فاكتسب إسماعيل خبرات عسكرية ودبلوماسية قبل أن يتولى الحكم عقب وفاة سعيد.

وعاصر إسماعيل ، الذي قضى وقتاً من عمره في فرنسا أثناء حكم عمه عباس الأول، لوجود خلاف بينهما ، كواليس السياسة الدولية وقتذاك على ضوء قيام الثورة الفرنسية الثالثة ضمن ما يطلق عليه تاريخيا “ربيع الشعوب” عام 1848، ورأى إسماعيل كيف تآمرت القوى العظمى في الغرب لإعادة رسم وتقسيم وهيكلة الدول الأوروبية استغلالاً للثورات الشعبية وتفهم إسماعيل كيف تدار لعبة الأمم من قلب أوروبا.

ولم يفت هذا العسكري والسياسي والدبلوماسي المحنك أخبار بريطانيا التي تعبث بمنابع نهر النيل، وأخبار تلك الاكتشافات التي تتوالى، بينما يخوض صراع سلطة في القاهرة مع أخيه مصطفى فاضل، ومحاولة انقاذ الدولة العثمانية في حرب القرم ضد روسيا القيصرية ثم قمع التمرد ضد العثمانيين في جزيرة كريت.

ولم يفعل إسماعيل ذلك حبا في الدولة العثمانية، ولكنه تفهم أن سقوط الدولة العثمانية أمام موسكو سيعني اجتياحا روسيا للأناضول وصولا إلى شمال سوريا ما يشكل خطرا على الأمن القومي المصري، وكان الثمن هو كسب مزيد من الاستقلال المصري وتحويل مصر من إيالة ( الإيالة في التقسيم الإداري العثماني كانت تشكل المستوى الإداري الأعلى بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر. كان يرأس الإيالة بيكلربكي. ظل نظام الإيالات ساريا إلى أن تم استبداله بنظام الولايات. كانت الدولة العثمانية مقسمة آنذاك إلى ايالات، والايالات إلى سناجق، والسناجق إلى أقضية، والأقضية إلى نواح، والنواحي إلى قرى). إلى خديوية تحت الحكم العثماني.

رأى إسماعيل أن استمالة المستكشفين البريطانيين بالمال، وشن حملة عسكرية من جنوب مصر إلى منطقة البحيرات العظمى، والسيطرة عليها، سيكون الحل الأمثل لحماية الأمن القومي المائي المصري، ووقف صراع النفوذ البريطاني الفرنسي في جنوب مصر وشرق إفريقيا.

وبحسب كتاب “تاريخ مديرية خط الاستواء المصرية” للأمير عمر طوسون (ابن محمد طوسون بن سعيد باشا حاكم مصر سابقا)، فأن تلك المنطقة تعج بالمستشرقين والنخاسين وتجار العاج والتجارات غير المشروعة، ولا يوجد بها حكومات أو دول باستثناء بعض الزعامات القبائلية التي لا حول لها ولا قوة أمام التدخل الأجنبي، وانتشر بين تلك القبائل والعشائر الافريقية سفك الدماء وانتشار الخراب وحدوث الفوضى وهجرات السكان القبائلية نتيجة صراعات عشائرية لا تنتهي.

عام 1868 كان أقصى حكم لمصر هو “فاشودة” في السودان، الواقعة اليوم في أقصى جنوب جمهورية جنوب السودان، هكذا أمر إسماعيل بحملة مصرية في شرق إفريقيا لتأسيس حكومة مدنية بدلاً من الحياة الهمجية، من جنوب فاشودة إلى البحيرات الكبرى لتنظيم الحياة وصناعة الدولة والقانون وإنهاء الفراغ في شرق إفريقيا.

وتواصل مع المستكشفين البريطانيين، وتم تعيين عدد منهم في الحملة، على رأسهم صامويل بيكر الذي ترأس الحملة، ولكن عملياً كانت القيادة لثلاثة ضباط مصريين أشهرهم البكباشي أحمد رفيق الذي شارك لاحقاً مع الزعيم أحمد عرابي في الدفاع عن مصر ضد الإحتلال البريطاني.

وبحسب الأمير عمر طوسون فأن الحملة تضمنت خبرات عسكرية مهمة، مثل الضباط والجنود الذين شاركوا في حربي القرم وكريت، والمشاركة المصرية في حرب المكسيك الفرنسية، ولعل تلك المعلومة المذكورة في كتاب الأمير طوسون تنفي الكذبة التاريخية فأن أغلب هؤلاء الجنود لم يعودوا من المكسيك، أو أنهم جوقة من الفلاحين لا حول لهم ولا قوة!

الحملة المصرية في إفريقيا

بدأت الحملة عام 1869، حيث انطلقت إلى أراض لا تملكها دول ولا يحكمها حكومات، فابهر الجيش المصري بنظامه وملابسه ونظافته ودأبه السكان المحليين القبائليين وراح العلم المصري يرتفع سلما في قرية تلو الأخرى ويدق الضباط مدافع التحية الملكية المصرية، وان واجه بعض التمرد من بعض العشائر ولكن تم اخماد تلك القلاقل بسهولة.

أوقفت مصر تجارة الرقيق وخطف الفتيات والرجال في تلك المناطق، وقتل الأفيال وتجارة العاج، فاستحسنت القبائل الحكم المصري، وبدأت تتنسم أولى نسمات الحضارة والدولة الحديثة بعد دهر من الجهل.

وبحلول عام 1872 كان العلم المصري قد ارتفع على منطقة البحيرات الكبرى، وأعلنت مصر رسميا ضم تلك المناطق إلى أراضيها بشكل قانوني، وشملت مجرى نهر النيل من مصر إلى البحيرات الكبرى باستثناء إثيوبيا، حيث سيطرت مصر على أغلب مساحة أوغندا، ولاحقا سيطرت مصر على شرق إفريقيا عبر رفع العلم المصري على كامل أراضي إريتريا، وكامل أراضي الصومال وسواحلها المطلة على خليج عدن والمحيط الهندي وتحديداً مدينة كيسمايو عاصمة جمهورية جوبالاند، رغم أن الصومال ليست دولة مطلة على نهر النيل إضافة إلى سلطنة هرر الواقعة اليوم في جنوب إثيوبيا.

في ذلك الزمان، كانت هناك ولاية عثمانية في شرق إفريقيا تدعى “إيالة الحبشة العثمانية”، ورغم اسمها فأنها لم تكن تضم إثيوبيا، وقد تفاوض إسماعيل مع السلطان العثماني وضم الولاية العثمانية إلى الممتلكات المصرية أيضاً، لينقل النفوذ العثماني في البحر الأحمر إلى الثقل المصري، وتطل مصر على مضيق باب المندب عبر إقليم بوغوس.

وهكذا أصبحت مصر تحكم كافة مناطق حوض نهر النيل باستثناء إثيوبيا، وأصبحت مصر تسيطر على كافة المناطق الواقعة على شرق وغرب إثيوبيا وقتذاك.

القلق البريطاني من امبراطورية مصر الإفريقية

نظم الخديو إسماعيل تلك المناطق التي كانت اداريا تتبع السودان المصري، في 19 فبراير 1874 أصدر إسماعيل قرارا بقطع تلك المناطق عن حكمدارية السودان، وأن يتم تسميتها مديرية خط الاستواء المصرية، علماً بأن مصطلح “المديرية” كان مسمى المحافظات المصرية وقتذاك، ما يعني انه مسمى ذلك الإقليم المصري بلغة اليوم هو محافظة خط الاستواء المصرية.

وأصبح هناك حكام وولاة مصريون على مناطق تلك المديرية، وحاميات عسكرية منتشرة، وقد لاقى السكان الأفارقة في تلك المناطق المعاملة الحسنة واستحسنوا الحكم المصري، ولكن في إثيوبيا كانت الأسرة الملكية في حالة من الغليان على ضوء الحصار المصري الجغرافي، حيث كانت مديرية خط الاستواء المصرية تضم أراضي تقع اليوم في شمال وشرق وجنوب إثيوبيا الحالية، وكانت تلك القبائل الإثيوبية على علاقات جيدة مع مصر وتستحسن الحكم المصري عن امبراطور إثيوبيا، ما أدى إلى خلافات على العرش.

أما بريطانيا والدول العظمى في الغرب، فقد قررت حتمية إنهاء الإمبراطورية المصرية الإفريقية، أو ما أسمته الصحافة المصرية “الفتوحات الإفريقية” وقتذاك، ورغم أن لندن شجعت إسماعيل في بادئ الأمر على تلك “الفتوحات”، أملاً في أن يلقى هزيمة عسكرية في أحراش إفريقيا، وينكسر الجيش المصري بدلا من كونه رأس حربة الجيوش العثمانية، كما رأت بريطانيا أن إرهاق مصر اقتصاديا بالحملة في إفريقيا مفيد في إطار سعي الغرب لتكبيل مصر ماليا.

ولكن نتائج الحملة الإفريقية كانت أكبر من خسائرها المالية، لذا تطلعت بريطانيا إلى إثيوبيا باعتبارها الدولة الوحيدة في حوض النيل، على ضوء أن سلطة من يعرف وقتذاك بملك أوغندا كانت صغيرة بينما تحكم مصر أغلب ما يعرف اليوم بهذا الاسم.

امبراطور إثيوبيا وقتذاك جورجيوس الثاني كان صنيعة بريطانيا بامتياز، ولكنه تمرد وقرر الاستقلال السياسي، كما افتعل مشكلة مع الارسالية الكاثوليكية الفرنسية، وقررت بريطانيا تأديبه عسكريا، وأن تتخذ تمرده حجة للإنتشار عسكريا في إثيوبيا بجانب النفوذ المصري.

ولكن نظرا لقوة دور مصر وقتذاك، تواصل إسماعيل مع الدولة العثمانية ومع بريطانيا، وتقرر أن تشارك مصر في حملة تأديب امبراطور إثيوبيا المتمرد، وكان مقصد إسماعيل من هذه المشاركة هو فرملة الحملة البريطانية من الداخل، وتنفيذ تعهدها للدولة العثمانية ومصر بالإنسحاب من إثيوبيا عقب خلع الامبراطور المتمرد.

ولكن بريطانيا ساهمت في تنصيب يوحنس الرابع خلفا للإمبراطور المتمرد، وكان الرجل بدوره يدين بالولاء لبريطانيا، وبدأ في افتعال المشاكل والخلافات مع مصر، وبالمثل أظهر الخديو إسماعيل العزم على غزو إثيوبيا وتوحيد دول حوض النيل وتطهير إقليم نهر النيل من النفوذ البريطاني.

ورغم ان يوحنس واجه تهديدا مصريا حقيقيا، ورغم اتصاله ببريطانيا، الا أن أجندة الخلاف مع مصر كانت تتضمن أهدافا أخرى، اذ رأى يوحنس أن إثيوبيا تضم أكثر من مملكة متمردة، والخلافات القبائلية على أشدها، وبالتالي فأن توحيد إثيوبيا وامبراطوريته حول قضية واحدة سينهي الإضطرابات في إثيوبيا.

في هذا الزمن لم يكن هناك نموذج الدولة القومية، لذا سعى يوحنس الرابع إلى العامل الديني، وتصوير الأمر باعتباره حربا بين “مصر المسلمة” و”إثيوبيا المسيحية”، ومن أجل إرضاء المتطرفين المسيحين في إثيوبيا، قام باضطهاد المسلمين وشن حملة لإجبارهم على التحول للدين المسيحي ومصادرة أموال وممتلكات من لا يفعل ذلك.

استغلال إثيوبيا للدين أثناء الصراع السياسي مع مصر

التطرف المسيحي ليوحنس الرابع ألهب حماس الإثيوبيين، فأطلقوا عليه “ملك صهيون وأسد قبيلة يهوذا ومختار الرب” وملك ملوك إثيوبيا، وعقب دخول الجيش المصري لإمارة الهرر المسلمة في 11 أكتوبر 1875 سلماً بدعوى من أميرها الذي أراد أن تتمتع امارته بالحماية والحكم المصري تحت لواء مديرية خط الاستواء المصرية، استشار الامبراطور يوحنس ملوك الأقاليم الإثيوبية المنضوية تحت حكمه، ورأوا أن هرر إقليما إثيوبيا متمردا وليس إقليما مستقلا له الحق في الانضمام لدولة أخرى وان وقت الحرب مع مصر قد حان.

بريطانيا التي ادعت الحياد وشجعت الخديو إسماعيل على الخطوات السلمية، أرسلت إلى يوحنس الرابع عدداً من المستشارين العسكريين الذين دربوا الجيش الإثيوبي، كما أرسلت أحدث المدافع والأسلحة بمقاييس هذا العصر إلى إثيوبيا.

وبينما تسلحت إثيوبيا بخبرة خيرة الجنرالات البريطانيين، أخطأ إسماعيل بالإعتماد على جنرالات من الحرب الأهلية الأمريكية وبعض الجنرالات من الدانمارك وسويسرا، وفي ورقة بحثية بعنوان “الغزو المصري لإثيوبيا” Egyptian Invasion of Ethiopia نشرها الباحث Czeslaw Jesman بمجلة African Affairs الصادرة عن جامعة أكسفورد عدد يناير 1959، يشير إلى أن عدد القوات المصرية لم يتجاوز 13 ألف جندي بينما كان الجيش الاثيوبي يضم 80 ألف جندي!

يتضح أن الخديو إسماعيل استهان بالجانب الإثيوبي، على ضوء سهولة اجتياح حملته لمناطق حوض النيل، ونسى إسماعيل ما كتبه بنفسه في أمر إطلاق الحملة، بأن تلك المناطق كانت بلا حكومة أو أمن أو قانون، بينما إثيوبيا وقتذاك مهما كانت الاضطرابات القبائلية بداخلها الا ان هناك امبراطور وكنيسة وممالك وأمراء.

دارت الحرب ما بين عامي 1875 و1876، في منطقة داخل إثيوبيا وقتذاك تقع اليوم في إريتريا، وقد فشلت القوات المصرية في التقدم، وفى أكثر من جولة نصب الجيش الإثيوبي بإشراف المستشارين العسكريين البريطانيين كمائن للقوات المصرية بما أدى لخسائر كبيرة في الأرواح وانتهت الحملة بانسحاب الجيش المصري من إثيوبيا.

تواطؤ عبد الحميد الثاني مع الغرب ضد مصر

رغم الهزيمة في إثيوبيا وفشل غزوها، إلا أن مصر لم تخسر شبرا واحدا من مديرية خط الاستواء المصرية، ولكن الهزيمة العسكرية مع الأزمة الاقتصادية، كان لها ارتدادات في الداخل المصري، وموقف مصر أمام العالم، بالإضافة إلى أن الضباط المصريين في الجيش أزعجهم اعتماد الخديو إسماعيل على الأجانب في الجيش المصري، ما فتح الباب أمام الحركة العرابية لإصلاح الجيش ثم تطورات لتصبح مشروع استقلال مصر في زمن الخديو توفيق.

تحركت بريطانيا وفرنسا داخل البلاط العثماني، وقبل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني التواطؤ مع الغرب وأصدر فرمان عزل الخديو إسماعيل وتولي الخديو توفيق الحكم في 26 يونيو 1879، وكانت بريطانيا على اتصال مع توفيق منذ زمن، لذا بحلول عام 1882 كان توفيق يفتح الباب أمام الاحتلال البريطاني.

تفكيك بريطانيا لمديرية خط الاستواء المصرية

وبحلول عام 1889، توجه الجيش البريطاني إلى مديرية خط الاستواء المصرية، وحل محل الجيش المصري، وأعلن الغاء الإقليم المصري في تلك المنطقة وقسمها مع إثيوبيا وأوغندا ودول أخرى كانت واقعة تحت نفوذ دول أوروبية أخرى في إطار تسوية ملف الصراع على النفوذ في إفريقيا.

الملاحظ أن بريطانيا لم تكتف بتفكيك مديرية خط الاستواء المصرية فحسب، ولكن ايضاً كان هناك حرص بالغ على تسوية وهدم كافة المرافق المصرية والاثار المصرية في هذه المنطقة، إبادة ثقافية وتدمير للآثار المصرية، وأيضا تغيير كافة الأسماء المصرية للبحيرات والأماكن والمدن بأسماء بريطانية.

في ثلاثينيات القرن العشرين، ألقى فؤاد أباظة مدير الجمعية الزراعية الملكية محاضرة مهمة، ينبه فيها للمشاريع البريطانية في حوض نهر النيل، قائلاً إن الباشا المصري الكبير – يقصد الخديو إسماعيل – ما توغل في جنوبا الا سيراً للماء، وما اقتطعت إنجلترا مديرية خط الاستواء ونشرت نفوذها في منطقة البحيرات الا لتسيطر على مصر والسودان بسبب الماء.

وذكر أباظة أن بريطانيا تعمدت تقسيم دول حوض النيل إلى عدة دول حتى يتم تجميع الأصوات ضد مصر، بمعنى انه لو كانت دول حوض النيل مصر وإثيوبيا فحسب كما كان الحال عشية الغزو البريطاني لمصر عام 1882، فلا مشكلة لمصر في عالم الدبلوماسية، ولكن صناعة بريطانيا وتواطؤ الغرب لدول حوض النيل، الكونجو البلجيكي – كذا في نص محاضرة فؤاد باشا – صوت وأوغندا صوت والحبشة صوت – كما يطلق عليها المصريون – وكينيا وحتى السودان، هكذا يصبح عدد الأصوات 6 ضد الصوت المصري، وللمفارقة هنا أن فؤاد باشا احتسب صوت السودان منفصلاً عن مصر رغم أن ذلك لم يحدث إلا عقب عشرين عاماً من محاضرته حينما انفصل السودان رسمياً عن مصر، كما انه احتسب ستة أصوات وليس خمسة كما كان في عصره، وكأنه احتسب صوت جنوب السودان التي انفصلت عن الشمال عام 2011.

عقب وفاة الأمير عمر طوسون عام 1944، أهملت اغلب مؤلفاته، فلا يذكر كتابه “تاريخ مديرية خط الاستواء المصرية” حتى اليوم في أغلب المؤلفات التي تتناول سيرته الذاتية، وحتى صفحة الأمير المصري عبر الموسوعة الحرة “ويكبيديا” لا تضم هذا العنوان وسط قائمة مؤلفاته، ومع مجيء ثورة 23 يوليو 1952 راح التراب ينهال على تاريخ حقبة الأسرة العلوية، وأصبح واجباً الا نتذكر من علاقات مصر الإفريقية الا المغامرة العسكرية الفاشلة في إثيوبيا فحسب.

بريطانيا أيضاً رغبت في عدم تذكر المصريين هذه المرحلة، عبر مسحها من مناهج التعليم أثناء الاحتلال البريطاني لمصر، ولكن الدولة المصرية تحتفظ بوثائق الملكية المعتمدة دولياً لهذه المناطق حتى اليوم، وعقب يوليو 1952 أرسل فؤاد باشا أباظة برقية وداع للملك المخلوع فاروق عقب ابحار باخرته من مصر للمرة الأخيرة، ما تسبب في التنكيل به، واختفى الصوت الأخير العاقل في مصر الذي كان يتحدث عن لعبة بريطانيا والغرب في منابع نهر النيل.

أصدر الجنرال الأمريكي William Wing Loring مذكراته عن عمله في الجيش المصري بعنوان A Confederate Soldier in Egypt علماً بأن ويليام وينج كان الضابط الذي قاد الجيش المصري لدخول مملكة دارفور، وايضاً بعض المناطق التي تقع اليوم في محيط إثيوبيا، وعاصر الحرب المصرية في إثيوبيا وقيام مديرية خط الاستواء المصرية.

ايضاً الجنرال الأمريكي “وليام ماكنتاير داي” (1831-1899)مستشار رئيس الأركان المصري في الحرب المصرية الإثيوبية أصدر مذكراته عقب العودة إلى الولايات المتحدة بعنوان “مصر المسلمة والحبشة المسيحية؛ أو، الخدمة العسكرية في ظل حكم الخديوي، داخل أقاليمه وخارج حدودها، كما عايشها الموظفون الأمريكيون”

Moslem Egypt and Christian Abyssinia; Or, Military Service Under the Khedive, in his Provinces and Beyond their Borders, as Experienced by the American Staff

وهكذا طوى النسيان والإبادة الثقافية وتقلبات السياسية صفحة مهمة من تاريخ مصر، حاربنا فيها من أجل المياه ومن أجل وأد مؤامرة تعطيش مصر في القرن التاسع عشر، يوم حكمت مصر أجزاء مما يعرف اليوم بـ إثيوبيا وأوغندا وكامل إريتريا والصومال إضافة إلى السودان وجنوب السودان، وتاريخ مديرية خط الاستواء المصرية منذ بدايتها عام 1869 وحتى تفكيكها عام 1889.