نظريات المؤامرة حول وباء كورونا

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

بعد انتشاره في 170 دولة، لم يعد وباء كورونا مجرد ازمة صحية تجتاح العالم، ولكنه أصبح ظاهرة عالمية لها مردود سياسي على ضوء تداخل تلك الازمة الوبائية مع حسابات النفط والبورصة والسياحة والاقتصاد حول العالم.

ولعل تلك المعطيات هي ما جعلت مجلة فورن بوليسي ترى في وباء كورونا حدث سياسي لا يقل ثقلاً عن انهيار سور برلين في 9 نوفمبر 1989، ليأتي وباء كورونا في نوفمبر 2019 بعد ثلاثين عاماً من انهيار سور برلين ليدمر توازنات ما بعد الحرب الباردة.

وأصبح واجباً ان نرصد المتغيرات السياسية التي جرت بالفعل خلال بضعة أسابيع فحسب، من اجل فهم حسابات والربح والخسارة والمعادلات السياسية الجديدة لعالم ما بعد كورونا.

ما بعد الحرب الباردة

يمكن القول ان نتائج الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة هي التي تصنع عالم السياسة اليوم، وهو عالم يحكمه شبكات المصالح الاقتصادية الغربية، وهي الشركات العملاقة التي تتحكم في اقتصاد العالم عبر صناعات النفط والغاز والكهرباء والفحم والذهب والمياه وباقي الثروات الطبيعية، بالإضافة الى السلاح وحركة الاستثمارات العالمية وتدفقها من عدمه الى دون بعينها، والصناعات الكبرى مثل وسائل الاتصال الحديثة وغيرها من الأجهزة الكهربائية وأخيرا السيطرة على حركة تداول البورصة عالمياً. تتستر شبكة المصالح الغربية خلف اساطير سياسية بغية التخفي، مثل الماسونية او مجلس قيادة العالم، او فرسان الهيكل وحتى الصهيونية او الرأسمالية اليهودية، بينما كل ما سبق هو مجرد أدوات لدي شبكات المصالح الغربية.

هذه الشبكات صنعت من الولايات المتحدة الامريكية في النصف الأول من القرن العشرين قطباً دولياُ يدير تلك الشبكات علناً، حتى على حساب الولايات المتحدة الامريكية نفسها، ولعل هذا يفسر بعض الحروب والمشاكل والنزاعات التي دخلتها واشنطن دون ان يكون هنالك مصلحة حقيقية للشعب الأمريكي او الامن القومي الأمريكي او الجيش الأمريكي في تلك الحروب، فتلك الحروب كانت تخوضها واشنطن من اجل الرأسمالية الدولية او شبكات المصالح الغربية.

وعقب نهاية الحرب العالمية الثانية، نسجت الرأسمالية الدولية سلسلة من الأحزاب التي احتكرت السلطة في الغرب وتبادلت المواقع عبر لعبة الانتخابات ومسرحية الديموقراطية، ورغم الخلاف الأيديولوجي المعلن بين اليمين المحافظ والوسط الليبرالي واليسار الاشتراكي والخضر المستقلين في العمل السياسي في أوروبا وامريكا الا ان التيارات الأربع في واقع الامر وبحلول سبعينات القرن العشرين أصبحت عملياً تحمل اجندة غربية امبريالية موحدة تحت مسمى وراية النيوليبرالية.

والنيوليبرالية او الليبرالية الجديدة هو إعادة انتاج الليبرالية الاقتصادية، والحاصل بحلول السبعينات جرت حرب العملات الثانية بشكل عنيف، واحتاج الغرب الى تطوير دور الولايات المتحدة من الأمركة الى العولمة، والليبرالية القديمة الى النيوليبرالية، وهكذا لم تنتهي سبعينات القرن العشرين الا وكانت الرأسمالية الدولية قد اعادت هيكلة قواعد اللعبة وصنعت النيوليبرالية والعولمة بنسختها الامريكية، بالإضافة الى اعتماد قواميس الصوابية السياسية باعتبارها "أنجيل العولمة او النيوليبرالية"، من اجل التفرغ لهزيمة الاتحاد السوفيتي في اخر مراحل الحرب الباردة وذلك عبر حركات الإسلام السياسي صنيعة الغرب وخادمة اجندات شبكات المصالح الغربية كما الحال مع حركات الدين السياسي سواء كان الإسلام السياسي او اليهودية السياسية او المسيحية السياسية.

وحينما أسقط الغرب الكتلة الشرقية ووحد أوروبا وانتهي شبح الاتحاد السوفيتي، شرع الغرب في تحقيق حلم الوحدة الأوروبية، وذلك من اجل انهاء حالة الحرب الموجودة في أوروبا منذ فجر التاريخ السياسي للقارة الأوروبية، وللمرة الاولي منذ ألف سنة على الأقل تهدأ ماكينة الحرب بين حكومات أوروبا ليبدأ ميلاد الاتحاد الأوروبي.

شهدت مرحلة ما بعد الحرب الباردة سلسلة من الحروب العالمية المصغرة، سواء كانت حرب الشيشان الأولى والثانية في محاولة غربية لتكرار تركيع موسكو عبر الإسلام السياسي، او حروب البلقان التي هدفت ونجحت في تفكيك يوغوسلافيا، ثم الحرب على الإرهاب أوائل القرن الحادي والعشرين في أفغانستان والعراق، وحزام الثورات الملونة في الجمهوريات السوفيتية السابقة في جورجيا وأوكرانيا وقيرقيزستان، وصولاً الى حروب الربيع العربي، وأخيرا صعود الدول المارقة وفقاً للرؤية الامريكية وهما ايران وكوريا الشمالية.

وبعيداً عن بعض الخلافات بين الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا في المعسكر الغربي، فأن سنوات ما بعد الحرب الباردة شهدت صعود النمور الآسيوية، وهي الدول التي شيدت تجارب اقتصادية قوية على ضوء الصراع بين الكتلة الشرقية والغربية، على رأس تلك الدول الصين وكوريا الجنوبية واليابان والهند، إضافة الى ماليزيا وتايلاند وسنغافورة.

شكلت الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية خطورة حقيقة على اقتصاد الغرب، والصين في المرتبة الأولى، رغم ان الرأسمالية قبلت بتلك الدول تحت اجنحتها، والحاصل ان الصين عقب الانفتاح الاقتصادي في سبعينات القرن العشرين استطاعت ان تخطو خطوات واسعة في التحول الاقتصادي وفى التهام والهيمنة على العولمة الامريكية حتى أصبح سؤال الساعة في بعض المحافل الاقتصادية هو متى تعلن الصين قيام العولمة الصينية المضادة للعولمة الامريكية.

وانطلقت الثورة الصناعية الرابعة أواخر القرن العشرين عبر انتشار الانترنت الرخيص وفائق السرعة عام 1997، فأصبحت الثورة الرابعة هي العالم الرقمي بامتياز، ولكن بحلول عام 2008 أتت الازمة الاقتصادية الكبرى، ثم أخطاء شبكات المصالح الغربية في التعامل مع الربيع العربي لتفجر أكبر صراع داخل الغرب منذ عقود، الا وهو صراع بين القوي السياسية التقليدية التي تتناوب على حكم دول الغرب والتي أصبحت كلها في جعبة التيار النيوليبرالي، والتيار القومي الجديد.

عشية وباء كورونا

ويشمل الخلاف بين التيار النيوليبرالي والتيار القومي، رفض التيار القومي لفكرة العولمة وتفضيله فكرة الدولة الوطنية، وتفهمه لحقيقة ان الوحدة الأوروبية وهم على ضوء حروب الالف سنة في القارة الأوروبية وانه يفضل ان يكون هنالك منتدى أوروبي اشبه بجامعة الدول العربية وليس اتحاداً كونفدراليا او فيدرالياً كما يحاول الاتحاد الأوروبي.

ويرى التيار القومي ان الرأسمالية الدولية او شبكات المصالح الغربية ليست بحاجة الى العولمة، او الاقتصاد الحر والأسواق المفتوحة التي جعلت الصين اليوم تسيطر على السوق الأمريكي، بل ويتسبب تدفق البضاعة الصينية بلا هوادة داخل السوق الأمريكي الى ضرب الشركات الامريكية والصناعة الوطنية والرأسمالية الوطنية الامريكية وتسبب في رفع نسب البطالة داخل المجتمع الأمريكي.

يرى التيار القومي ان الاقتصاد الوطني والرأسمالية الوطنية افضل، وان الاتفاقيات الاقتصادية الصريحة التي تجعل الأسواق العالمية حصرياً على الصناعة الامريكية او الغربية افضل من اقتصاد السوق المفتوح الذى جعل النمور الاسيوية اليوم تسبق الدول الغربية الى تلك الأسواق، وان تحديد من يسيطر على عمليات التصدير الى الأسواق المستهدفة عبر اتفاقيات اقتصادية افضل من آليات الليبرالية الاقتصادية بل ويمكن ان تصبح تلك الاتفاقيات الاقتصادية من ضمن آليات مكافاة ومعاقبة الدول بدلاً من لعبة الذهاب الى روسيا او الصين حال غلق الغرب ابوابه امام بعض الدول.

كما يرفض التيار القومي فكرة استخدام إرهاب الإسلام السياسي في تنفيذ الاجندات الرأسمالية كما فعل التيار النيوليبرالي في سنوات الربيع العربي حينما دعم تنظيم الاخوان وصنع تنظيمات الإرهاب في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، او فكرة الوفاق النووي مع إيران، او فكرة تفجير الشرق الأوسط بوجه روسيا والصين. كما رفض التيار القومي فكرة تهجير سكان سوريا والعراق الى أوروبا وامريكا من اجل ان تحصد ماكينة الثورة الصناعية الرابعة على الايد العاملة الرخيصة، ويري التيار القومي ان هذه الهجرة تسببت في انحدار ثقافي ومجتمعي وانشاء طابور خامس إسلامي وارهابي داخل المجتمعات الغربية، وان فكرة استقبال الغرب لهذه الموجات من اللاجئين من اجل تعويض نقص الايدي العاملة وارتفاع متوسط اعمار السكان في الدول الغربية.

كما يري التيار القومي ان هذه الهجرة تخل بالهوية المسيحية للغرب، سواء الارثوذكسية في أوروبا الشرقية، او الكاثوليكية في أوروبا الغربية وامريكا الجنوبية، او الانجيلية في بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية.

ويرفض التيار القومي استهداف الدول الوطنية الصديقة في الشرق الأوسط، ويعتبرها خط الدفاع الأول عنه، سواء فيما يتعلق بالتصدي لإرهاب الإسلام السياسي، او موجات اللاجئين، بينما التيار النيوليبرالي لم يجد مشكلة في تفجير الدول الصديقة بوجه الدول المستهدفة.

ويرى التيار القومي انه يجب نقل مسرح العمليات من الشرق الأوسط الى داخل إيران والصين بل وروسيا ان لزم الامر، وان الغرب لم يعد بحاجة الى حماية مصادر الطاقة مثل النفط والغاز، على ضوء حقيقة ان الولايات المتحدة الامريكية هي أكبر منتج للنفط ولكنها لا تصدره بل تقوم باستيراد احتياجاتها ما جعل الدول الأخرى هي الأكبر في تصدير الغاز.

كما ان تجربة الربيع العربي كشفت انه وقوع مصادر الطاقة في يد دوائر الفوضى يجعل الغرب يشتري مصادر الطاقة من تلك المنظمات الإرهابية بسعر أرخص مما هو عليه لو كانت تلك المصادر تقع تحت سيطرة حكومات مستقرة، تماما كما فعل الغرب حينما كان يشتري برميل النفط بـ 2 دولار من المنظمات الإرهابية الإسلامية التي كانت تسيطر على الهلال النفطي الليبي بينما سعر برميل النفط وقتذاك في السوق العالمي لا يقل عن 50 دولاراً.

وبالتزامن مع كل ما سبق، تململت الشعوب من أخطاء التيار النيوليبرالي في فتح أوروبا امام اللاجئين واستقبال الإرهابيين بدعوي انهم هاربين من ديكتاتوريات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وكانت النتيجة ان الشعوب الغربية راحت تنتخب التيار القومي في دول تلو الأخرى او اليمين القديم المقارب في أفكاره لليمين القومي في أكثر من انتخابات.

هكذا صعد دونالد ترامب في الولايات المتحدة الامريكية، وبوريس جونسون في بريطانيا بعد ان صوتت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، كذلك اليمين القومي الجديد الحاكم في النمسا واليمين المحافظ في اليونان بالإضافة الى صعود أسهم اليمين القومي في إيطاليا وفرنسا واسبانيا وألمانيا، الى جانب تزايد شعبية التيارات الرافضة للوحدة الأوروبية في كافة دول القارة الأوروبية حتى التي كانت يوماً تلهث خلف الاتحاد الأوروبي من اجل ان تظفر بعضويته.

ويلاحظ ان الصراع بين القوميين والنيوليبراليين ليس على اسقاط الشبكات الرأسمالية بل كيفية ارضائها ورعاية المصالح الغربية، لذا فان زعماء الرأسمالية وشبكات المصالح الغربية ليس لديهم مشكلة إذا ما اثبت التيار القومي انه مقبول في الشارع الغربي وعالمياً ان يتم إزاحة التيار النيوليبرالي لصالح التيار القومي او ان يتقاسم الفريقين السلطة عالمياً.

مكاسب الغرب

وفي نوفمبر 2019 بدأ فيروس انفلونزا كورونا يضرب مدينة ووهان الصينية، وبحلول منتصف يناير 2020 أصبح الفيروس حادثة عالمية تجتاح قارات العالم اجمع.

وبينما كان العالم يعاني من الفاجعة والفزع، كانت تفاعلات "ما بعد كورونا" تجرى على قدم وساق وتصب في صالح قضايا وفرق ودول بعينها، ما طرح سؤال نظرة المؤامرة بقوة بعيداً عن اهمال الصين للفيروس ما بين منتصف نوفمبر 2019 الى منتصف يناير 2020، او حتى ما يقال عن إخفاء الصين لعدد الضحايا الحقيقي او تفاصيل أخرى بخصوص الفيروس ولكن مكاسب الغرب من انتشار الوباء جعلت السؤال الحقيقي ليس فشل الصين في التصدي للوباء والتعامل البيروقراطي الشيوعي معه في بادئ الامر ولكن هل حقا دس الوباء على مدينة ووهان؟

هل استغل طرف خارجي الطبيعة الديموجرافية المكتظة للصين باعتبارها دولة تضم 1.5 مليار نسمة، ودرس الموقف فوجد ان مدينة ووهان تحديداً تضم سوق شعبي وعادات غذائية سيئة تسهل دس المرض في حيوانات تلك المدينة التي يقوم سكانها بالتهامها، مع معرفة هذا الطرف الخارجي ان ووهان البعيدة عن العاصمة المركزية لن تستطيع ان تتحدث عن الوباء بالشكل اللائق الا حينما يخرج عن السيطرة، وان التعامل الصيني مع مقاطعة بعيدة جغرافياً عن بكين سوف يكون بالبيروقراطية المعتادة بما سوف يسهل تفشى الوباء؟

هي أسئلة للتاريخ، ولكن رصد أرباح الغرب اليوم عقب اقل من شهر من تحول الفيروس الى وباء ربما يكمل الصورة ويجعلنا ندرك الى أي مدي ربحت شبكات المصالح الغربية الرأسمالية جراء هذا الوباء:

محرقة المسنين

1 – محرقة العواجيز: يصيب الوباء كبار السن فوق الـ 60 عاماً اكثر مما يصيب من فئات عمرية أخرى، واكثر ضحايا الوباء فوق الستين والثمانين عاماً وما اعلى من ذلك. ان القارة الأوروبية والأمريكية في معاناة حقيقة من ارتفع متوسط الاعمار، وان نسبة العواجيز في البلاد الغربية أصبحت عبء على الرأسمالية، على ضوء ان هؤلاء يقدم لهم خدمات طبية ومعاش وغيره دون ان يقدموا انتاج حقيقي، إضافة الى ان نسب هؤلاء اعلى من نسب الشباب.

ولقد حاولت أوروبا عبر عشر سنوات، ان تحاول تعديل تلك الأرقام، وذلك عبر قبول اللاجئين من كافة دول الشرق الأوسط الهاربين من الربيع العربي، وتم تفجير دول ذات متوسط اعمار شاب من اجل تهجير سكانها الى أوروبا، مثل سوريا والعراق، الى جانب الانفتاح على احتواء الجاليات الفلسطينية وصناعة مواطن فلسطيني جديد منسجم مع الغرب ومنقطع عن فلسطين التاريخية.

ومع ذلك ظلت الأرقام كما هي بدون تغيير يذكر، حتى ان الصحف العالمية صدحت في تقرير شبه موحد عام 2018 بأن إيطاليا تشيخ.

هل صنعت الرأسمالية محرقة العواجيز في القرن الحادي والعشرين كما فعلت النازية محرقة اليهود والأقليات في القرن العشرين حينما رأت شبكات المصالح النازية ان التخلص من الأقليات مثل اليهود والغجر وأصحاب العاهات والمشاكل الصحية والمسلمين والعرب والاقزام والشواذ جنسياً ما يعرقل المانيا النازية؟

ان المفارقة الصارخة في خط سير كورونا في أوروبا، انه وصل ونهش الدول ذات النسب الأعلى من العجائز اولاً فالأقل في الترتيب، بمعني انه إيطاليا تحتل المرتبة الأولى في متوسط ارتفاع الاعمار في أوروبا، يليها اسبانيا وفى المرتبة الثالثة فرنسا وفى المرتبة الرابعة المانيا.

وهذا بالضبط هو خط سير كورونا في أوروبا، اغلق إيطاليا اولاً، وتالياً اسبانيا، وثالثاً فرنسا واخيراً المانيا.

وفر وباء كورونا حجة إنسانية بأن الغرب المتحضر سوف يضطر الى ترك العجائز يموتون في بيوتهم من اجل اسعاف الشباب وصغار السن، هكذا امتلأت ملاجئ المسنين وبيوت كبار السن بالجثث من اسبانيا الى إيطاليا على وجه التحديد.

هل هي صدفة ان الوباء اتى ليخلص أوروبا من ارتفاع متوسط الاعمار بل وان يضرب الدول التي يتركز فيها هؤلاء المسنين على وجه التحديد؟

اطلاق سراح اشرس حيوان استهلاكي فى التاريخ

2 – أكثرية الضحايا من الرجال وليس النساء: حينما اندلعت الازمة الاقتصادية العالمية عام 2008، وعلى أثرها تم إعادة هيكلة مفاهيم وأدوات الرأسمالية من اجل انتاج نظم رأسمالية جديدة واليات جديدة للعولمة الامريكية والثورة الصناعية الرابعة، جري الاتفاق بين اقطاب شبكات المصالح الغربية ان التجربة اثبتت ان الرجل اقل انفاقاً وتسلعاً عكس المرأة، التي اثبتت عقب تحريرها في القرن العشرين حقيقة ذهب اليها العديد من رجالات الاقتصاد ان المرأة هي أشرس حيوان استهلاكي في التاريخ، وهذا المصطلح الاقتصادي هو مصطلح مهني لا يقصد به الإساءة للمرأة ففي علم الاقتصاد ينظر للإنسان ولكل شيء باعتباره حيوان اقتصادي.

ولعل هذا ما جعل الغرب وشبكات الرأسمالية تدعم وتصنع حركات النسويات الواحدة تلو الأخرى، فإسقاط الذكورية وصناعة سلطوية نسوية بديلة من اهداف الرأسمالية منذ عام 2008 ومن اهم اركان الثورة الصناعية الرابعة.

ولم يكتف الغرب بدعم الحركات النسوية فحسب، او إطلاق العنان لحريات جنسية تقلل من دور الرجل في حياة المرأة، ولكن ايضاً عبر دعم التحول الجندري او الجنسي من جنس الرجل للمرأة دون دعم العكس، أي دعم التحول من جنس المرأة للرجل، ودعم حقوق الترانسجندر ودمجهم بالفن والرياضة والموضة النسوية، وذلك في إطار عملية هدم سلطة الذكر وتسطيح مفهوم الذكورة وتفريغ معني الرجولة من محتواه، واعلاء قيم وموضة تخنيث الرجل.

ان تقليل اعداد الرجال على مستوي العالم مفيد للغاية للأيدولوجيا النسوية التي يدعمها اليوم شبكات المصالح الغربية، فهل صدفة ان الوباء اليوم يأتي متسقاً مع رؤية الرأسمالية الدولية في تقليل عدد الرجال حول العالم؟

ربيع القوميات.. خريف الاتحاد الاوروبي.. أفول النيوليبرالية

3 – إعادة هندسة النظام العالمي: على ضوء غلق الحدود وحريات التنقل وسهولة الاستيراد والتصدير من الصين وغيرها، يبدو ان النظام العالمي يتخلص من القيم النيوليبرالية والليبرالية الاقتصادية والحريات المجتمعية، وتفهم هذا النظام لحقيقة ان الاتحاد الأوروبي فشل في تقديم نموذج الوحدة الأوروبية، وتفهم شبكات المصالح الغربية الى ان الشعوب اليوم تنتخب التيار القومي على حساب التيار النيوليبرالي.

سوف تشهد المرحلة المقبلة افساح المجال للتيار القومي فيما يمكن ان نطلق عليه "ربيع القوميات" و"افول النيوليبرالية" و"خريف الاتحاد الاوروبي"، مقابل تقليص دور الاتحاد الأوروبي وإنتاج اتحاد قاري بديل، والانتصار للدولة الوطنية والقومية ضد قيم العولمة.

سوف يتخلص الغرب الرأسمالي من العولمة الامريكية رويداً رويداً، مقابل إعادة هيكلة بريطانيا وإعادة هيكلة الدور الأمريكي العالمي والقبول برؤية ترامب في قيادة واشنطن للنظام العالمي برؤى قومية بدلاً من رؤي نيوليبرالية، وما يراه اليوم بعض المراقبون هزيمة لأمريكا مقابل صعود أي قوة اخري هو خطأ فادح فهو هزيمة متعمدة للعولمة الامريكية وليس الولايات المتحدة الامريكية.

وربما يذهب التيار القومي الى انتاج عولمة جديدة، عولمة الدولة الوطنية والعولمة القومية.

كما ان الآثار الاقتصادية والسياسية لوباء كورونا سوف يتم توظيفها سياسياً في مارثون الانتخابات عامي 2020 و2021 على الأقل، ما بين التيار القومي والتيار النيوليبرالي، وما انتخابات الرئاسة الامريكية نوفمبر 2020 والبرلمانية الألمانية أكتوبر 2021 هنالك اتصال ما بين بقاء ترامب من عدمه وهوية خليفة ميركل على سدة المستشارة الألمانية.

تحرير الاقتصاد العالمي والامريكية من هيمنة الصين

4 – تحرير النظام العالمي والاقتصاد الأمريكي من هيمنة الصين: على ضوء حقيقة ان العالم اجمع حظر الاستيراد والتصدير من الصين، وعلى ضوء حقيقة ان الصين خسرت 18 % من قوتها الاقتصادية والتجارية والصناعية في هذه الازمة "حتى الان"، وعلى ضوء حقيقة ان ترامب جهز أمريكا طيلة السنوات الثلاث الماضية لملء هذا الفراغ، فأن الصين قد تلقت ضربة قاصمة لن تنهض منها الا بعد عام كامل على الأقل.

ولكن هذا ليس معناه نهاية الصين اقتصادياً وسياسياً، ولكنه خفض لدرجة خطورة الصين على شبكات المصالح الغربية والرأسمالية الدولية والاقتصاد الأمريكي، مقابل رفع كفاءة الدور الأمريكي فيما سبق.

ترامب سبق كورونا طيلة السنوات الثلاث الماضية في وضع العراقيل امام البضائع الصينية للوصول الى السوق الأمريكي، ما أدى الى خلق فرص عمل داخل المجتمع الأمريكي هي الأعلى منذ نصف قرن، وعلى أثره لم يعد المجتمع الأمريكي يعتمد على البضائع او المصانع الصينية عكس اغلب دول العالم التي سوف تتأثر من غياب الاستيراد من الصين.

ولعل هذا سوف يربك الدول التي كانت تعتمد على الصين لمجابهة هيمنة الولايات المتحدة السياسية، حيث كان البعض يأمل في "عولمة صينية مضادة" للعولمة الامريكية ولكن كورونا أسقط فرضية قيام العولمة الصينية الى حين.

وبحجة مواجهة تداعيات كورونا اجتماعياً، قامت الولايات المتحدة بخفض القيمة الى صفر % على اذون الخزانة، علماً بأن الحكومة الامريكية كانت تدفع سنوياً 40 مليار دولار فوائد على تلك الاذون، وكانت الصين وروسيا ودول الخليج العربي هم أكثر من يملك تلك الاذون ويستثمر فيها واليوم مع الفائدة الصفر فأن الاقتصاد الأمريكي يستفيد من تلك الاذون دون ان يدفع سنتاً واحداً فائدة عنها.

تركيع ايران

5 – تركيع إيران: في إطار رفض التيار القومي لاستخدام الإسلام السياسي والتعاون مع إيران، والنظر الى النظام الإيراني باعتباره كارت محروق بعد ان تم استخدامه في سنوات الحرب الباردة وحرب الشيشان وحروب يوغوسلافيا وحروب الربيع العربي، يتم تطبيق رؤية ترامب في محاصرة النظام الإيراني بدعم الاضطرابات الشعبية الداخلية والعقوبات الاقتصادية بالإضافة الى الضربات العسكرية المؤلمة لاذرعته بالمنطقة مثل عملية تصفية قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني مطلع العام 2020.

هل كانت صدفة ان يضرب الوباء إيران بهذه القوة كثاني دولة يضربها كورونا بعد الصين؟

وهل صدفة ان الوباء انتشر في الطبقة السياسية الحاكم في إيران قبل ان ينتشر في أيا من طبقات المجتمع الإيراني؟

والاهم من ذلك ان قلة طلب النمور الاسيوية الاقتصادية عموماً والصين على وجه التحديد على النفط الإيراني، ادي الى انخفاض غير مسبوق في صادرات إيران النفطية، إضافة الى انهيار سعر برميل النفط من 61 دولار الى 20 دولار للبرميل في اقل من مئة يوم، لتعيش إيران كابوساً حقيقياً.

ان انهيار سعر برميل النفط لا يعني عملياً الا انهيار إيران من الداخل على ضوء حقيقة ان النفط هو العمود الفقري للنظام الإيراني، هو الممول الأول لكافة الأنشطة والنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وآسيا الوسطي.

ارخص برميل نفط فى التاريخ

6 – النفط الرخيص: على ضوء انهيار سعر برميل النفط الى أسعار لم تحدث منذ حرب الخليج عام 1990، عملياً العالم يشهد بسبب وباء كورونا أرخص برميل نفط في التاريخ، الرئيس الأمريكي ترامب لم يخف علناً استفادة بلاده من هذه الأسعار وصرح علناً بأن واشنطن سوف تشحن احتياطي النفط لديها من السوق الرخيص بأكبر كمية ممكنة.

عملياً ما جرى هو إعادة شحن بطاريات الرأسمالية والاقتصاد الامريكية والثورة الصناعية الرابعة بأرخص برميل نفط في التاريخ، في زمن تحدد فيه مصادر الطاقة مصائر الشعوب ومصير الحكومات وحقيقة كافة الحروب الجارية.

7 – إعادة الانتشار العسكري في العالم: طلب ترامب مراراً وتكراراً من حلفائه في الغرب ان ينسحبوا من دول الشرق الأوسط على وجه التحديد مشيراً الى ان الولايات المتحدة انفقت مليارات على ما اسمه "حروب عبثية"، وتحت حجة انتشار كورونا في دول بعينها، أصدر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قراراً في 25 مارس 2020 بسحب القوات الفرنسية من العراق.

ومن المتوقع الا يكون هذا هو القرار الأول والأخير بهذا المعني، وان تجري إعادة انتشار شاملة للجيوش العسكرية حول العالم تتلخص في تقليص تلك الجيوش بالمناطق التي بها نفوذ إيراني وصيني وروسي واسع من اجل استهداف إيران عسكرياً في المستقبل دون تخوف من انتقامها بالاعتداء على القوات الغربية في العراق وسوريا والشرق الأوسط بوجه عام.

ولنا ان نلاحظ هنا ان كل هذا يتسق مع رؤية ترامب في التمهيد لاستهداف إيران عسكرياً كما بدا واضحاً من برنامجه الانتخابي عشية انتخابه نوفمبر 2016 ويمكن القول ان ترامب حال انتخابه لولاية ثانية في نوفمبر 2020 فأن الولاية الثانية هي ولاية ضرب إيران عسكرياً، ولا تعارض ما بين رؤية ترامب في عدم خوض حروب عبثية وبين حرب إيران فترامب يرى ان حرب إيران هي حرب أخيرة وضرورية في الشرق الأوسط لإنهاء كافة الحروب العبثية.

ترامب وعد الشعب الأمريكي بإعادة أبنائه الجنود من الحروب العبثية وتوظيف أموال الحرب في الاقتصاد الأمريكي، فهل مصادفة ان يأتي كورونا ليساعد ترامب في هذا المضمار؟

فرملة التجارب الاقتصادية الناشئة

8 – فرملة التجارب الاقتصادية الصاعدة: من المعروف ان أي ازمة اقتصادية عالمية انها تقوم عادة بسحق الدول الاقتصادية الفاشلة وفرملة التجارب الاقتصادية الصاعدة وعلى ضوء اكتشافات الغاز في حوض المتوسط فأن الغرب تخوف من بعض التجارب الاقتصادية الناجحة في السنوات الأخيرة وبالتالي فأن صناعة ازمة اقتصادية جديدة سوف يفرمل قيام الثورة النفطية الثانية كما كان متوقعاً بسبب تلك الاكتشافات التي حاول الغرب عرقلتها بحزام من حروب وثورات الربيع العربي.

عدم اصابة افريقيا بالوباء

9 – عدم إصابة القارة الافريقية بالوباء: رغم ان هنالك حالات كورونا ظهرت في دول افريقيا، ولكن بعيداً عن شمال افريقيا فأن الوباء لم ينتشر، رغم ان تلك الدول لا تتمتع بالثقافة او الاستعداد اللازم او القطاع الصحي المؤهل لعدم انتشار الوباء بهذا الشكل، كما ان المناخ في افريقيا ليس حاراً في تلك الفترة كما يظن البعض حتى نعول على الحرارة في منع وصول الوباء الى افريقيا.

والحاصل ان افريقيا كانت دائما وابداً هم مصدر الايدي العاملة للثورات الصناعية، وان شبكات المصالح الغربية عقب انتهاء كورونا في إعادة هيكلة النظام العالمي، سوف يكونوا في أمس الحاجة الى ايدي عاملة جديدة لاستئناف ماكينات الثورة الصناعية الرابعة.

سوف يظل دور افريقيا الأزلي هو مد الغرب بالأيدي العاملة الرخيصة، فهل صدفة ان كورونا لم يتمدد في وسط وجنوب افريقيا في توقيت ندرك فيه مدي حاجة الغرب للعمالة الافريقية عقب انقشاع الازمة؟

بيزنس الافلام الاباحية

10 – فتح المواقع الإباحية مجاناً: صناعة المواد الإباحية من اهم اركان الثورة الصناعية الرابعة، وبعد ان تم حبس جميع سكان العالم في بيوتهم بسبب وباء كورونا، يأتي قرار فتح جميع المواقع الإباحية مجاناً ونشر محتواها دون نقود او اشتراك بل وتحديث هذا المحتوي بشكل لم يحدث منذ عقدين من الزمان.

الغرض من هذا الاجراء هو استثمار حبس 5 مليار نسمة على الأقل في بيوتهم من اجل تغيير العادات الترفيهية والثقافية عبر نشر ثقافة الأفلام الإباحية، والترويج لها باعتبارها منتج ضروري وترفيهي، ولاحقاً عقب عودة تلك المواقع للعمل بالاشتراك والمال، يصبح لديهم "الزبائن" التي ادمنت المواقع الإباحية وعلى استعداد لكي تدفع المال من اجل استمرار المشاهدة.

ولعل هذا يفسر لما لم نر مكتبة واحدة في الغرب تعرض محتوياتها مجاناً، او أي منصة رقمية ترفيهية في مجال السينما والغناء تقدم عروض مماثلة، اذ ان شبكات المصالح الغربية التي تسيطر على كل هذا تريد الترويج لسلعة معينة في هذا التوقيت الا وهي الأفلام الإباحية.

بيزنس مكافحة كورونا

11 – الانفاق من اجل مكافحة كورونا: على ضوء رصد الكونجرس الأمريكي 2 تريليون دولار لمكافحة الاثار الاقتصادية لكورونا، و500 مليون يورو من المانيا للغرض ذاته، يثور السؤال المهم، ما هي آليات مراقبة تلك الأمور والى اين سوف تذهب ومن المستفيد وما هي الجهات التي سوف تقوم حكومات الغرب بدعمها مادياً من اجل ان تتلافى الاثار الاقتصادية لكورونا.

هل كان من اهداف نشر الوباء هو ان تحصل بعض الجهات والشبكات الاقتصادية في الغرب على أموال دافعي الضرائب تحت مسمى التحفيز الاقتصادي لمناهضة الوباء بمبالغ غير مسبوقة في التاريخ وبشكل قانوني لأنه من غير القانوني او الدستوري ان يتم رصد كافة تلك المبالغ لتحفيز الاقتصاد في الأوقات العادية؟

بنك أهداف شبكات المصالح الغربية

ختاماً، وبغض النظر هل كان وباء كورونا مفتعل ام فرز طبيعي، فأن هنالك بنك اهداف كامل حققه الغرب جراء هذا الوباء بشكل يثير الشكوك، ولترفع أوراق القضية بكل ما سبق الى محكمة التاريخ لكى تبت يوماً ما في تلك الشكوك.