وزيرستان

From arwikipedia
Jump to navigation Jump to search

يشهد شمال غرب باكستان المعروف بـ “المنطقة القبائلية الفيدرالية” عودة الأعمال الإرهابية بشكل مكثف منذ مارس 2020، بعد سنوات من الهدوء عقب قيام الجيش الباكستاني بطرد العناصر الإرهابية في المنطقة القبائلية إلى أفغانستان المجاورة عام 2014.

وشهد شهر سبتمبر هجمات شبه يومية، مثل تفجير قنابل على الطرق وشن هجمات قناصة ونصب كمائن وقتل سكان لاتهامهم بالتواطؤ مع قوات الحكومة. ووفقا لما أحصته رويترز من الأرقام الرسمية فقد قتل المتشددون 40 جنديًا على الأقل منذ مارس، وذكر مركز فاتا البحثي أن نحو 109 قتلوا في 67 هجومًا من شهر يناير إلى يوليو، وهو ضعف الرقم المسجل في 2019.

ارتفاع وتيرة الإرهاب في الإقليم الذي يُعدُّ معقل حركة طالبان باكستان يعود إلى الخطوات الجادة لمباحثات السلام في أفغانستان ذات الحدود الجغرافية مع الإقليم، حيث بدأت الحركات الأفغانية في مفاوضات جادة مع الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الأفغانية لإقرار السلام وإنهاء الحرب الأفغانية.

وعلى ضوء الجهود الأفغانية، بدأ المسلحون الباكستانيون ومن جنسيات أخرى في مغادرة الأقاليم الأفغانية إلى الأراضي الباكستانية؛ خوفًا من التوقيف والاعتقال أو إجراءات إلقاء السلاح، ما ينبئ بأن تكون باكستان هي الضحية الأولى للسلام الأفغاني، وأبرز المعاقل المحتملة للهاربين من أفغانستان.

باكستان والإسلام السياسي

ارتبطت نشأة دولة باكستان بصعود الإسلام السياسي في شبه الجزيرة الهندية، ولكن علاقة باكستان بالإسلام السياسي أخذت منحى جديدًا في سبعينات القرن العشرين حينما قررت الولايات المتحدة الأمريكية استخدام باكستان كقاعدة لحقن الداخل الأفغاني بالمجاهدين من أجل ضرب الاتحاد السوفيتي المتاخم لأفغانستان، ولاحقًا إرهاق الجيش السوفيتي عقب غزو موسكو لأفغانستان فيما يعرف بتنظيمات الأفغان العرب.

ومن أجل تحويل باكستان إلى ساحة أمريكية لتقديم الدعم اللوجستي للتمرد الإسلامي الأمريكي في أفغانستان ضد السوفييت باركت واشنطن انقلاب الجنرال محمد ضياء الحق الإسلامي الهوى على الديموقراطية الباكستانية والإطاحة برئيس الوزراء ذو الفقار على بوتو رئيس حزب الشعب ورئيس الجمهورية الأسبق، وذلك في 5 يوليو 1977، وتولى ضياء الحق رئاسة باكستان في 16 سبتمبر 1978 وقد حول نظام الدولة من جمهورية برلمانية إلى جمهورية رئاسية.

غيّر ضياء الحق عقيدة مؤسسات الدولة الباكستانية بشكل حاسم إلى الهوى الإسلامي، وجرت عملية “أسلمة” للجيش الباكستاني على ضوء الدعم الأمريكي الباكستاني للمجاهدين في أفغانستان، وتحولت بيشاور في قلب منطقة القبائل شمال غرب باكستان إلى معقل لتدريب العناصر البشرية القادمة من الدول الإسلامية عمومًا والدول الإسلامية خصوصًا، فكانت مهد وانطلاقة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري إلى أفغانستان.

ترأس تنظيم الإخوان كافة عمليات إدارة غرف بيشاور وعلى رأسهم عبد الله عزام القيادي الفلسطيني التاريخي في تنظيم الإخوان والأب الروحي لحركة حماس.

وحينما انتهى الغرض من بيشاور، ما بين تفكيك خلايا الأفغان العرب أو إعادة توظيفهم في الدول العربية والأوروبية وخلف الحدود الروسية الجديدة، إضافة إلى مصرع الجنرال ضياء الحق في حادث طائرة تفوح منه رائحة العمل الاستخباراتي في 17 أغسطس 1988، عادت الديموقراطية مرة أخرى إلى باكستان وتقلدت بي نظير –ابنة ذو الفقار علي بوتو–رئاسة وزراء باكستان في 2 ديسمبر 1988.

ولكن بدا واضحًا أن الدولة العميقة الباكستانية قد “تأسلمت”، وبدأت لعبة طويلة الأمد بين المؤسسات الباكستانية/الدولة العميقة، والقادة المنتخبين إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تارة تتعاون مع الدوائر الإسلامية الباكستانية وتارة أخرى ترى تلك الدوائر قد خرجت عن الدور المرسوم لها وحان عقابها.

وفى هذه اللعبة حاول بعض العقلاء في الجيش الباكستاني السيطرة على الصراع حتى لا تخرج باكستان من التحالفات الغربية وتصبح دولة مارقة تصنف باعتبارها أفغانستان الثانية، التي أصبحت عقب الهزيمة السوفيتية وحتى أحداث 11 سبتمبر 2001 المعقل والبيت الآمن لكل إرهابي يبحث عن مأوى على مستوي العالم أجمع، وسط ترحيب من حركة طالبان التي سيطرت على الحكم ثم استضافت تنظيم القاعدة والقيادة التاريخية لجماعة الجهاد المصرية وبعض قيادات الجماعة الإسلامية المصرية.

باكستان عقب 11 سبتمبر 2001

شكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 خير مدخل لإدارة بوش الابن من أجل عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى أفغانستان بدعوى الحرب على الإرهاب والانتقام ممن أهدر كرامة الدولة العظمي على أرضها، بالإضافة إلى أن أفغانستان ذات حدود مشتركة مع روسيا التي يحاول الغرب استكمال تطويقها، إضافة إلى وجودها في قلب آسيا الوسطي وخزائن النفط والغاز التي لا تنضب في جوفها.

وأدركت إدارة بوش الابن منذ اليوم الأول أن العمل الأمريكي في أفغانستان، سواء بوجه عام أو ضد الإسلاميين هنالك الذين أصبحوا كروتًا أمريكية محروقة، لن يتم إلا بقيام باكستان بالتعاون مع واشنطن، خصوصًا أن الدولة العميقة الباكستانية ضالعة في صناعة طالبان الأفغانية وتمويل ورعاية بعض الحركات الإسلامية الأفغانية من أجل سيطرة باكستان على أفغانستان، وهو أمر تم بنجاح في سنوات ما بين الحرب السوفيتية الأفغانية والحرب الأمريكية الأفغانية.

في إسلام أباد كان الجنرال برفيز مشرف من العسكريين العقلاء الذين أدركوا عبثية الصراع بين الدولة العميقة والديمقراطية، ونفّذ حركته البيضاء في 12 أكتوبر 1999 ليصبح رئيسًا للوزراء/ وفى 20 يونيو 2001 أصبح رئيسًا للدولة وترك رئاسة الوزراء.

تفهم مشرف أن عدم التعاون يعني معاقبة باكستان، وقرر الجنرال الانحناء للعاصفة مهما كلفه الأمر، وتحمل المعارضة الوطنية والإسلامية الرافضة للتعاون الباكستاني في أفغانستان وحتى معارضة بعض قادة الجيش، خاصة أن الطيران الأمريكي وبعض القوات الأمريكية الخاصة عملت داخل باكستان للقبض على بعض العناصر الهاربة من أفغانستان.

نشأة طالبان باكستان في وزيرستان

على ضوء رفض الإسلاميين للغزو الأمريكي لأفغانستان، تشكلت حركة طالبان باكستان عام 2002، من الباكستانيين الذين عملوا في أفغانستان في صفوف حركة طالبان، وقد تمركزا في المنطقة الفيدرالية القبائلية، خاصة جبال وزيرستان ذات السمعة التاريخية في التمرد على الغرب، حيث كانت دولة مستقلة في زمن الاحتلال البريطاني لشبه الجزيرة الهندية.

وقد تضخمت أعمال طالبان الباكستانية، إذ استقبلت مقاتلين من “الحركة الإسلامية في أوزبكستان” المجاورة” و”الحركة الإسلامية في تركستان الشرقية” في الصين، كما أرسلت مقاتليها في صفوف تنظيم داعش في سنوات الربيع العربي في سوريا والعراق، ونسقت مع أغلب التنظيمات الإسلامية في باكستان وأفغانستان في سنوات ما بعد الاحتلال الأمريكي.

حرب شمال غرب باكستان

في 16 مارس 2004 اندلعت حرب شمال غرب باكستان، والتي حملت أسماء عدة مثل تمرد وزيرستان أو حرب وادي سوت أو حتى تمرد خيبر باختونخوا، وقد هز هذا التمرد الإسلامي باكستان من الداخل، ما بين مطالب دولية بتفكيك الدولة العميقة والتساؤل حول مدى دورها في صناعة طالبان باكستان ورفض الدولة العميقة لانهيار حركاتها الإسلامية في أفغانستان وباكستان. أو الحديث الغربي عن تقسم باكستان واستقلال وزيرستان باعتبارها أفغانستان الجديدة، وصولًا إلى تصويت الكونجرس الأمريكي على حق إقليم بلوشستان الباكستاني في تنظيم استفتاء لتقرير المصير بين البقاء تحت مظلة النظام الفيدرالي أو الاستقلال، وهو الاستفتاء الذي ترفض السلطات الباكستانية تنظيمه حتى اليوم.

وصعّدت المعارضة من مطالبها بعودة الديموقراطية، فأصدر الرئيس برفيز مشرف عفوًا عن بي نظير بوتو التي عادت للبلاد من المنفى، حيث تم اغتيالها في 27 ديسمبر 2007، وفى عام 2017 أصدر الإرهابي مفتي نور محسود الذي أصبح في يونيو 2018 أميرًا لجماعة طالبان باكستان كتابًا بعنوان “انقلاب محسود جنوب وزيرستان: من الحكم البريطاني إلى الإمبريالية الأمريكية” يصف خلاله كيف كان العقل المدبر لاغتيال بوتو.

مع استمرار القتال والتدخل الأمريكي، تنحى مشرف في 18 أغسطس 2008 بعد أن جنب بلاده حربًا مفتعلة مع الهند أو غزوًا أمريكيا، إضافة إلى سيناريوهات التقسيم والحرب الأهلية، وعادت الديمقراطية مرة أخرى وتولى حزب الشعب الباكستاني الحكم مرة أخرى، وأصبح “آصف علی زرداری” أرمل بي نظير بوتو رئيسًا للدولة وعادت صلاحيات الحكم لرئيس الوزراء مرة أخرى.

ما بعد مشرف

مع رحيل مشرف عن السلطة، اشتعل صراع النفوذ ما بين السعودية وإيران في باكستان بالتوازي مع الصراع الأمريكي الروسي على الكعكة ذاتها، أتى نواز شريف رئيسًا للوزراء بتوافق إيراني سعودي أقرب إلى انتصار سعودي وانصياع إيراني للتهدئة، ولكن لاحقًا أتى انتصال عمران خان في انتخابات 2018 وانهيار حزب الشعب وحزب الرابطة الإسلامية أمام حزب الإنصاف لصاحبه عمران خان بمثابة انتصار إيراني واكبه أيضًا انتصار إيراني في الانتخابات الإندونيسية على المعسكر الموالي للسعودية.

سنوات نواز شريف شهدت حملة عسكرية ضخمة في منطقة القبائل، أنهت هذا التمرد عام 2014، لتنعم باكستان ومنطقتها القبائلية بالهدوء عقب 12 عامًا من الحرب التي كادت تخرج وزيرستان من سلطة إسلام أباد وتمهد الطريق لظهور دولة بشتونستان على أنقاض باكستان وأفغانستان.

هربت اغلب عناصر طالبان باكستان إلى أفغانستان عام 2014، ومع مباحثات السلام الجادة في أفغانستان، بدأ العنف يضرب منطقة القبائل الفيدرالية مرة أخرى مارس 2020، مع تقارير استخباراتية أمريكية تفيد بعبور المئات من الإرهابيين الحدود من أفغانستان إلى باكستان والانضمام إلى طالبان الباكستانية؛ سعيًا إلى صناعة دولة بديلة عن أفغانستان التي تتخلص ولو مرحليًا اليوم من بعض الوجوه الإرهابية على ضوء المصالحة الوطنية.

ما يجب مراقبته في الشأن الباكستاني

على ضوء عودة طالبان باكستان لإشعال تمرد وزيرستان مرة أخرى، والموقف العام داخل باكستان، يمكن تلخيص النقاط الأساسية في المشهد الباكستاني الفترة المقبلة فيما يلي:

1 – مدى نجاح حكومة عمران خان في الحفاظ على الاستقرار حتى انتخابات 2023.

2 – هل تشكل عودة طالبان باكستان من الأراضي الأفغانية صحوة للدولة العميقة الباكستانية أم أن هذا النفوذ قد خبأ بشكل نهائي.

3 – هل يضطر الجيش للتدخل وإزاحة الديمقراطية الهشة من أجل لجم الفوضى وبث التلاحم الوطني في مواجهة الإرهاب.

4 – مدى قدرة الحزبين الكبيرين في باكستان، حزب الشعب برئاسة بيلاوال بوتو زارداري ابن بي نظير بوتو، وحزب الرابطة الإسلامية برئاسة شهباز شريف شقيق كامل ونواز شريف، في منافسة حزب الإنصاف وعمران خان.

5 – هل يتم لململة تمرد وزيرستان الثاني سريعًا أم يتحول الأمر إلى حرب واسعة كما جرى ما بين عامي 2002 و2014.

6 – مدى احتياج باكستان لتدخل عسكري أجنبي لوقف العنف في منطقة القبائل كما فرضت أمريكا هذا التدخل من قبل.